هناك جريمة صامتة ترتكب كل شهر في حق آلاف المتقاعدين المغاربة

  • بتاريخ : يونيو 24, 2026 - 8:27 م
  • الزيارات : 34
  • مجرد متقاعد

    بصفتي اطار تدريس متقاعد ارفع صوتي مصرحا بان هناك جريمة صامتة ترتكب كل شهر في حق آلاف المتقاعدين المغاربة، لكنها لا تثير ضجيجا في الشارع، ولا تملأ نشرات الأخبار، ولا تستفز ضمائر كثير من المسؤولين. إنها جريمة اسمها “المعاش الهزيل”.

    كيف يمكن أن نقنع رجلا قضى ثلاثين أو أربعين سنة من عمره في خدمة الدولة أو المقاولة أو المرفق العمومي، بأن يكمل ما تبقى من حياته بمعاش لا يتجاوز أحيانا 1500 درهم؟ كيف يمكن أن نطلب من امرأة أفنت شبابها في العمل والتضحية أن تواجه فواتير الكهرباء والماء والدواء والغذاء بهذا المبلغ الذي لم يعد يكفي حتى لتغطية الحاجيات الأساسية لأسبوع واحد؟

    في المغرب، يبدو أن المتقاعد يتحول بمجرد مغادرته سوق الشغل إلى مواطن من درجة ثانية. فبينما تستفيد فئات عديدة من الزيادات والتحفيزات والتعويضات التي تفرزها جولات الحوار الاجتماعي، يبقى المتقاعد خارج الحسابات، وكأن التقاعد يعني نهاية الحقوق وليس بداية مرحلة جديدة من الاستحقاق الاجتماعي.

    المفارقة المؤلمة أن الدولة والمجتمع يطالبان كبار السن بالصبر والتضحية والتفهم، لكن أحدا لا يسألهم كيف يعيشون فعلا. لا أحد يسأل ذلك المتقاعد الذي يقتطع ثمن الدواء من ميزانية الغذاء، أو تلك الأرملة التي أصبحت تقضي أيامها في حساب الدراهم القليلة المتبقية قبل نهاية الشهر. لا أحد يسألهم عن معنى أن تستيقظ كل صباح وأنت تعرف أن معاشك انتهى قبل أن ينتهي الشهر.

    الأسعار ترتفع بلا رحمة. المواد الغذائية تقفز من ثمن إلى آخر. تكلفة العلاج أصبحت عبئا ثقيلا. فواتير المعيشة تزداد سنة بعد أخرى. وحدها معاشات المتقاعدين تبدو وكأنها تعيش في زمن آخر، زمن لا يعرف التضخم ولا الغلاء ولا التحولات الاقتصادية التي تلتهم القدرة الشرائية للمواطنين.

    والأخطر من ذلك أن النقاش العمومي حول أوضاع المتقاعدين يكاد يكون غائبا. الجميع يتحدث عن الأجور، وعن التشغيل، وعن الاستثمارات، وعن النمو الاقتصادي، لكن فئة بأكملها ساهمت في بناء هذه الدولة لعقود طويلة تترك اليوم على هامش الأولويات. وكأن الوطن يتذكر أبناءه وهم في سن العطاء، ثم ينساهم عندما يشتعل الرأس شيبا.

    ليست القضية قضية أرقام فقط، بل قضية كرامة. فالمعاش ليس صدقة ولا هبة من أحد. إنه حق ناتج عن سنوات طويلة من الاقتطاعات والعمل والمساهمة في الاقتصاد الوطني. لذلك فإن تحسين معاشات المتقاعدين ليس امتيازا استثنائيا، بل هو واجب أخلاقي واجتماعي وسياسي.

    إن المجتمع الذي لا يحترم متقاعديه يبعث برسالة خطيرة إلى أجياله الشابة مفادها أن سنوات العمل الطويلة قد تنتهي إلى الفقر والهشاشة والخذلان. أما المجتمع الذي يكرم متقاعديه، فهو مجتمع يكرم نفسه وتاريخه وذاكرته الجماعية.

    لقد آن الأوان لأن يصبح ملف المتقاعدين أولوية وطنية حقيقية، لا مجرد فقرة هامشية في التقارير والوعود. آن الأوان لإقرار زيادات عادلة في المعاشات الدنيا وربطها بتطور تكاليف المعيشة، لأن الكرامة لا تتقاعد، ولأن الذين بنوا الوطن لا يستحقون أن يقضوا شيخوختهم في طوابير الانتظار والحرمان.

    إن السؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع اليوم ليس كم يتقاضى المتقاعد، بل كيف يمكن لإنسان خدم وطنه عمره كله أن يعيش بهذا المبلغ أصلاً؟ وهل أصبح المطلوب من المتقاعد المغربي أن يتقاعد عن الحياة نفسها، لا عن العمل فقط؟