لماذا الحرب الأمريكية على فنزويلا الآن؟
✍️جميلة غاطس
إستيقظ العالم مع مطلع العام الجديد على تطور خطير فى أمريكا اللاتينية تمثل فى هجوم عسكرى أمريكى مباغت على فنزويلا إنتهى وفق الروايات المتداولة بإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإحتجازه هو وزوجته فى عملية سريعة نفذت خلال ساعات قليلة لتفتح فصلاً جديداً فى سجل التدخلات الأمريكية لتغيير الأنظمة بالقوة وهذا التصعيد لم يأتى من فراغ بل يعد ذروة مسار طويل من الضغوط السياسية واإقتصادية والعسكرية ويطرح تساؤلاً مركزياً لماذا الآن؟ ولماذا فنزويلا؟ والشرارة المباشرة تكمن فى إن الصين كان فى قلب كراكاس قبل الهجوم بساعات حيث إستقبل مادورو فى قصر ميرافلوريس وفداً صينياً رفيع المستوى برئاسة المبعوث الخاص للرئيس الصينى لشئون أمريكا اللاتينية والكاريبى وبحسب ما أُعلن ناقش الطرفان مراجعة أكثر من 600 إتفاقية تعاون سياسى وإقتصادى فى مؤشر واضح على تعمق الشراكة الإستراتيجية بين بكين وكراكاس هذا التقارب فى لحظة صراع دول محتدم بين الولايات المتحدة والصين مثل إستفزازاً مباشراً لواشنطن التى ترى فى فنزويلا ساحة نفوذ تقليدية لا تقبل مشاركتها مع خصومها الإستراتيجيين وجاء الرد الأمريكى سريعاً عبر ضربات فجرية مفاجئة وضعت القيادة الفنزويلية فى حالة إرتباك غير مسبوقة ودفعت الحكومة لإعلان الطوارئ والمطالبة بجلسة طارئة لمجلس الأمن .
أما موقف السلطة فى كراكاس فهى فى حالة إرتباك وتصعيد
حيث أدان وزير الدفاع الفنزويلى العملية مؤكداً التمسك بالسيادة ومعلناً إن مادورو لا يزال القائد الدستورى رغم تضارب الأنباء حول مصيره أما نائبة الرئيس ديلسى رودريغيز فأعلنت فى بيان متلفز إن الحكومة لا تعرف مكان الرئيس والسيدة الأولى وطالبت واشنطن بتقديم دليل حياة متهمة الولايات المتحدة بإستهداف مناطق مدنية وعسكرية وسقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين وهذا الخطاب يعكس حالة إرتباك سياسى وأمنى حاد داخل مؤسسات الدولة ويشير إلى إن ما جرى تجاوز مجرد ضربة عسكرية ليصل إلى محاولة حسم سياسى شامل .
إن مشروع إسقاط مادورو قديم بأدوات جديدة فمنذ عام 2019 راهنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إسقاط مادورو عبر العقوبات الإقتصادية الخانقة والإنقسامات الداخلية بل ودعمت محاولات إنقلابية محدودة لكنها فشلت جميعاً ومع تعثر هذا المسار إنتقلت واشنطن تدريجياً إلى الخيار العسكرى فمنذ منتصف 2025 بدأت عملية تصعيد واسعة فى البحر الكاريبى تحت مسمى عمليات أمنية شملت نشر قوات بحرية وجوية ضخمة وحاملة طائرات وتنفيذ عشرات الضربات بذريعة مكافحة تهريب المخدرات وفى ديسمبر 2025 سجل أول إستهداف برى داخل فنزويلا قبل إن يصل التصعيد ذروته فجر 3 يناير 2026 بضربات مكثفة إستهدفت قواعد عسكرية رئيسية فى كراكاس ما فتح الباب أمام إنهيار سريع فى موازين القوة الداخلية أما بالنسبة لماذا فنزويلا تحديداً ؟ فالإجابة بمنهى البساطة تكمن فى الثروة فهى تمتلك أكبر إحتياطى نفطى مثبت فى العالم وإحتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعى وذهب وألماس وحديد وبوكسيت وموارد مائية وطاقة كهرومائية هائلة وأراضى زراعية خصبة وتنوعاً بيولوجياً إستثنائياً ومن ثم فإن السيطرة على هذه الموارد تعنى للولايات المتحدة نفوذاً طاقوياً عالمياً هائلاً يقلل إعتمادها على نفط الشرق الأوسط ويمنحها قدرة غير مسبوقة على إعادة تشكيل سوق الطاقة والضغط الجيوسياسى .
التداعيات الدولية أبعد من فنزويلا فنجاح واشنطن في فرض سيطرتها على فنزويلا سيحمل تداعيات خطيرة :-
– إضعاف اليسار فى أمريكا الجنوبية وربما إنهاء نفوذه لعقود .
– تعزيز صورة الولايات المتحدة كقوة إمبريالية تغيّر الأنظمة بالقوة .
– رفع أسعار النفط عالمياً مع ما يحمله ذلك من تضخم عالمى .
– تأثير مباشر على الشرق الأوسط عبر إعادة ترتيب معادلات الطاقة والضغط على إيران وحلفائها .
– إنعكاسات إقتصادية على مصر من خلال إرتفاع كلفة إستيراد الوقود وزيادة التضخم والضغط على العملة .
يبقى سؤال أين روسيا والصين رغم الشراكات السابقة؟ من غير المرجح أن تذهب موسكو أو بكين إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن من أجل فنزويلا أقصى ما يمكن توقعه هو إدانات سياسية وتحركات دبلوماسية محدودة كما حدث فى أزمات سابقة شبيهة والواقع يشير إلى إن فنزويلا فى ميزان المصالح الكبرى قد تترك لتدفع ثمن موقعها وثرواتها والخلاصة إن ما يحدث فى فنزويلا ليس حدثاً معزولاً بل رسالة عالمية قاسية وهى إن فى عالم اليوم السيادة لا تحمى بالخطابات ولا بالقانون الدولى بل بالقدرة على الردع والإستعداد وخاصة وإن التاريخ يعيد نفسه بأدوات أكثر شراسة وبالتالى فمن لا يملك القوة لحماية قراره وثروته يصبح هدفاً مشروعاً فى زمن النيو إمبريالية المتوحشة فالحرب على فنزويلا ليست فقط حرباً على دولة بل نموذج لما قد يتكرر إن لم يتغير ميزان القوة فى هذا العالم المضطرب .





إرسال تعليق