A place where you need to follow for what happening in world cup

حجارة من القدس للكاتب صلاح محاميد نصا عصيا على التصنيف، اذ يتجاوز حدود الديوان الشعري التقليدي

0 277

الكاتب والمفكر الفلسطيني الايطالي

صلاح محاميد

بواسطة نجيم

يأتي كتاب ومرة اخرى حجارة من القدس للكاتب صلاح محاميد بوصفه نصا عصيا على التصنيف، اذ يتجاوز حدود الديوان الشعري التقليدي ليشكل عملا مركبا تتداخل فيه اجناس ادبية متعددة مثل الشعر والسيرة والرثاء والبيان الانساني والشهادة الوجودية. هذا التفلت من التجنيس ليس ارتباكا فنيا، بل اختيارا واعيا يعكس رؤية الكاتب للعالم بوصفه عالما متشظيا لا يمكن القبض عليه بلغة واحدة او قالب واحد. ومن هنا يغدو النص مفتوحا على قراءات متعددة تتغير بتغير زاوية النظر اليه.
يشكل فقد الصديق مصطفى احمد خضر البؤرة العاطفية والفكرية للكتاب، غير ان الكاتب لا يتعامل مع الفقد بوصفه حالة بكائية او حنينا سلبيا، بل يحوله الى محرك جمالي واخلاقي للكتابة. فالموت هنا ليس نهاية، بل بداية مساءلة حادة للعالم وللقانون وللنظام القيمي السائد. ومن خلال هذا الفقد يعيد الكاتب تعريف الصداقة باعتبارها عهدا يتجاوز الحياة والموت، ويمنحها بعدا اخلاقيا يفرض على الشعر ان يكون وفاء لا زخرفة.
تحضر القدس في النص بوصفها رمزا مركزيا، لكنها لا تستعمل استعمالا شعاريا او خطابيا مباشرا. فالقدس ليست مجرد مكان مقدس او مدينة محتلة، بل هي جوهر معنوي تتكثف فيه الذاكرة والهوية والجرح المفتوح. اما الحجارة فتتحول من دلالة مادية الى علامة اخلاقية تمثل ما تبقى للانسان من ادوات الدفاع عن كرامته في عالم مختل موازين القوة. وبهذا ينجح الكاتب في تحويل الرمز السياسي الى قيمة انسانية كونية.
تعتمد اللغة في هذا الكتاب على الكثافة والاندفاع، وتقوم على الصورة اكثر من البيان المباشر. وهي لغة متحررة من الاوزان والقوالب، لكنها ليست فوضوية، اذ يحكمها ايقاع داخلي ناتج عن التكرار والتراكم الدلالي. الجمال في هذه اللغة ليس هدفا في ذاته، بل وسيلة لقول ما هو مؤلم وصادم. ولذلك يبتعد الكاتب عن الزخرفة اللفظية ويفضل لغة قادرة على تحمل الغضب والاحتجاج والانكسار دون ان تفقد شعريتها.
يقدم الكتاب تصورا نقديا للزمن الحديث، حيث يظهر الزمن كقوة قمعية ناعمة تسلب الانسان علاقته بنفسه وبالآخرين، وتحوله الى كائن وظيفي فاقد للدهشة. وفي مواجهة هذا الزمن يستدعي الكاتب مفردات الطفولة والام والذاكرة الاولى لا بوصفها نوستالجيا بريئة، بل كاستراتيجية مقاومة. فالعودة الى الاصل ليست هروبا الى الماضي، بل محاولة لاستعادة معنى انساني مفقود في الحاضر.
يكتب هذا النص من المنفى، لكن المنفى فيه ليس جغرافيا فقط بل نفسي وثقافي. المدن الاوروبية التي تظهر في الكتاب لا تقدم كبدائل عن الوطن، بل كمساحات اختبار للهوية ومرايا تكشف التناقض بين عالمين، عالم الذاكرة والالتصاق بالارض وعالم الحداثة الباردة. ومن هذا التوتر تتشكل هوية الكاتب بوصفها هوية قلقة ناقدة رافضة للاستقرار الزائف.
ترافق النص لوحات اولغا روساكوفا التي تؤدي دورا جوهريا في بنية الكتاب. فالرسم هنا لا يشرح القصيدة ولا يزينها، بل يحاورها ويعارضها احيانا. هذا التداخل بين الشعر والرسم يعكس رؤية الكاتب لوحدة الفنون، ويؤكد ان التعبير الانساني لا يختزل في لغة واحدة، خاصة حين يكون الموضوع هو القلق الوجودي والبحث عن الحرية.
ورغم انطلاق الكتاب من تجربة فلسطينية خاصة، فانه ينجح في تجاوز المحلي الى الانساني العام. فالقضايا المطروحة مثل الظلم والفقد والقمع والاغتراب ليست حكرا على سياق بعينه، بل تمس الانسان اينما كان. وهنا تتجلى قوة النص في قدرته على تحويل الالم الخاص الى خطاب انساني شامل دون ان يفقد جذوره او يساوم على هويته.
في المحصلة يقدم هذا الكتاب تصورا واضحا لدور الشعر في العصر الحديث. فالشعر وفق رؤية صلاح محاميد ليس ترفا ثقافيا ولا تمرينا لغويا، بل موقف اخلاقي ووسيلة دفاع عن الانسان في وجه القسوة والتشييء. ومن هذا المنطلق يصبح الصمت خيانة، وتغدو زمن الكلمة حجرا اخر يلقى في وجه النسيان.
ان ومرة اخرى حجارة من القدس عمل شعري وانساني يضع القارئ امام اسئلة صعبة ولا يمنحه اجوبة جاهزة. وهو كتاب لا يقرأ مرة واحدة بل يعاد اليه، لان قيمته لا تكمن في لغته فقط بل في موقفه. انه نص يؤمن بان الشعر ما زال قادرا رغم كل شيء على حماية ما تبقى من إنسانيتنا .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.