انتشار الجريمة في آسفي يفرغها من كل معاني السلم والتعايش

  • بتاريخ : مارس 29, 2026 - 11:53 ص
  • الزيارات : 5
  • النهظة الدولية بقلم محمد اعويفية

    لم يعد انتشار الجريمة في مدينة آسفي حدثا عابرا، بل أصبحت كإيقاع خفي يتسلل بين مفاصل الحياة اليومية، حتى صار جزء من مشهد مألوف. المدينة التي كانت هادئة مسالمة ، تتحول تدريجيا إلى فضاء مشوب بالحذر، يخطوا فيها الناس خطواتهم وهم ينظرون خلفهم خوفا أكثر مما ينظرون إلى الأمام.

    الجريمة ليست مجرد فعل فردي معزول، بل مرآة تعكس اختلالات كبيرة في بنية المدينة. حين تضيق سبل العيش، ويغيب الأمل، وتسقط الثقة في المستقبل، يجد البعض خصوصا الشباب أنفسهم على حافة الانزلاق نحو خيارات لم يكونوا ليتخيلوها يوما. هنا، لا يمكن قراءة الجريمة فقط كخطأ بشري ، بل هي ردة فعل -غير مبررة – في وجه واقع قاس لا يمنح الجميع فرصا متكافئة للعيش.

    في أحياء مثل جنان كلون 2 وأشبار وبياضة وسانية زين العابدين وعزيب الدرعي وكاوكي، تتكاثف هذه الظاهرة بشكل ملفت، ليس لأن هذه الأحياء أكثر استعدادا وقابلية للجريمة، بل لأنها أكثر عرضة للتهميش والإقصاء. فيها ، تصبح الأزقة الضيقة مسارح لقصص غريبة لا تروى، حيث تتقاطع البطالة مع الهشاشة، ويغيب الحضور الفعلي للمؤسسات، فتترك المساحات فارغة لتملأها الفوضى،المخدرات ، والجريمة . ومع الوقت، تتشكل صورة نمطية قاسية عن هذه الأحياء ، تزيد من عزلتها بدل أن تدفع السياسين وجمعيات المجتمع المدني نحو التفكير في إنقاذها ،وبعث الأمل فيها من جديد.
    فالأخطر من انتشار الجريمة هو تطبيعها ،بجعل سماع خبر توالي السرقات أو الاعتداءات أمرا عاديا، فيتعامل الناس معها كقدر محتوم لا مفر منه، عندها تدخل آسفي مرحلة خطيرة من التبلد الجماعي. هنا، لا تخسر المدينة أمنها فقط، بل تخسر أيضا طهر روحها ، تلك الروح التي تقوم على الثقة والتضامن والشعور المشترك بالانتماء .

    هنا لا يمكن إغفال دور الإعلام ، حين يختزل ظاهرة تفشي الجريمة في عناوين تثير الفزع والرعب، دون الغوص في جذورها ومسبباتها. فبدل أن يكون الإعلام أداة تنوير وعي، تساعد في الحل ، يتحول في بعض الحالات إلى مضخم أو مبرر ضمني للأحكام المسبقة، مما يعمق الفجوة ويزيد في اتساعها بين فئات المجتمع.

    مواجهة الجريمة لا تكون فقط بالمقاربة الأمنية وبتشديد العقوبات، رغم أهمية الردع طبعا ،بل تبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان باصلاح التعليم والصحة، مع الحد من البطالة بخلق فرص عمل، وترسيخ العدالة اجتماعية، وحضور مؤسسات الدولة في كل زاوية من زوايا المدينة . فالأمن الحقيقي لا يبنى بالخوف من العقاب بقدر ما يبنى بالإنصاف والعدالة الاجتماعية.
    تبقى آسفي مدينة حية، تتأثر بكل ما يحدث بداخل أحشائها . فإذا تركت الجريمة لتنتشر كالوباء دون فهم أو معالجة، فلن تسرق الممتلكات وحدها ، بل سيسرق الإحساس بالأمان… وتفرغ المدينة من كل معاني السلم والتعايش التي عاشت عليها لسنين طويلة .