التقاعد في المغرب بين الحسابات السياسية ومعادلة العدالة الاجتماعية
سمير اشقر
تأجل اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد في المغرب يوم 6 أبريل 2026، بعد أن استجابت الحكومة لمطلب المركزيات النقابية، ليُؤجَّل إلى ما بعد جولة أبريل للحوار الاجتماعي المرتقب. هذا التأجيل لم يكن مجرد تغيير في المواعيد، بل يعكس التوتر العميق والجدل المحتدم بين الحكومة والنقابات حول سن التقاعد وحقوق المتقاعدين والعمال. الملف لم يعد مجرد أرقام، بل معركة مفتوحة بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية لملايين المغاربة.
ترى الحكومة في إصلاح نظام التقاعد ضرورة استراتيجية، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع المالي لبعض الصناديق وتهديدها باستنزاف الاحتياطيات خلال السنوات المقبلة إذا لم تُعالج الاختلالات الهيكلية. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن بعض الصناديق قد تواجه خطر نفاد الاحتياطيات قبل نهاية العقد المقبل، ما قد يستدعي تدخل الدولة ماليًا بشكل عاجل. في المقابل، تؤكد النقابات أن أي إصلاح يجب ألا يُحمّل العمال والمتقاعدين وحدهم عبء الاستدامة المالية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، مطالبة بربط الإصلاح بزيادة الأجور وتحسين المعاشات لضمان حياة كريمة للمتقاعدين والعمال على حد سواء.
تشكّل قضية سن التقاعد وحقوق العمال أبرز نقاط التوتر، لا سيما بالنسبة لمن يعملون في وظائف تتطلب مجهودًا بدنيًا طويل الأمد دون ضمانات تعويضية واضحة في المعاشات المستقبلية. وتتداخل هذه القضية مع مطالب أخرى للنقابات، تشمل تحسين شروط العمل ودعم القدرة الشرائية، بما يضمن حقوق العاملين دون تحميلهم أعباء الإصلاح وحدهم.
تجربة عمال المكتب الشريف للفوسفاط تقدم مثالًا حيًا على الفجوة بين الواقع الإداري والواقع العملي، حيث كان العمال قبل 2001 يصنفون في نظام RCAR ضمن فئة “Actif” اي معرض لخطر المهني و تعكس طبيعة العمل الميداني الشاق، وهو ما ينعكس على سن التقاعد وقيمة المعاش. بعد ذلك، صار تصنيف العمال الجدد ضمن فئة “Sédentaire” اي غي معرض للاخطار المهني رغم استمرارهم في أعمال مجهدة، ما سرفع سن التقاعد وسيقلّل قيمة المعاش مقارنة بمجهودهم الفعلي. وتجارب مماثلة ظهرت في قطاعات أخرى مثل التعليم والصحة، حيث ربطت النقابات الإصلاح بمطالب الأجور والمعاشات المرتبطة بتكاليف المعيشة، مؤكدة أن العدالة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن سياسات العمل والحياة اليومية للموظفين.
تأجيل الاجتماع قبل جولة الحوار الاجتماعي القادمة يؤكد أن ملف التقاعد لم يعد مسألة تقنية بحتة، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول أولويات السياسات العمومية، بما يشمل القدرة الشرائية والحريات النقابية واستقرار الاقتصاد الاجتماعي. الجولة المقبلة، المقررة منتصف أبريل، ستكون محطة مفصلية، قد تؤدي إلى توافق يخفف حدة الاحتقان، أو إلى تصعيد اجتماعي يتجاوز قضية التقاعد وحدها.
يبقى ملف التقاعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات العمومية على الجمع بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، إذ تتطلب الإصلاحات مراعاة الواقع الاجتماعي لمختلف الفئات العاملة والمتقاعدة، وليس مجرد الحسابات المالية الباردة. المعركة الراهنة ليست مجرد صراع على أرقام، بل هي محاولة لتحديد شكل الدولة الاجتماعية التي يطمح إليها المغاربة، وكيفية تحقيق تكافؤ بين ما يقدمه الفرد من سنين عمل وما يحصل عليه من ضمان اجتماعي يوفر له حياة كريمة بعد انتهاء مسيرة العمل.





إرسال تعليق