من الميدان إلى القرار… ميلاد حزب المجتمع المدني
بقلم ✍️ سمير اشقر
منذوب جريدة النهضة الدولية
في زمنٍ صار فيه المواطن يشعر أحيانًا أنه بعيد عن دوائر القرار، يبرز سؤال بسيط لكنه عميق: من يمثل صوت الميدان فعلًا؟ من يحمل همّ الحيّ، والشارع، والمدرسة، والمستوصف، لا كشعار انتخابي، بل كتجربة يومية عاشها واشتغل عليها؟
من هنا تولد فكرة حزب المجتمع المدني (Q.M.D)، لا كإضافة رقمية إلى المشهد السياسي، بل كمحاولة لإعادة التوازن بين الفعل الجمعوي وصناعة القرار. فالمجتمع المدني في المغرب لم يكن يومًا عنصرًا هامشيًا؛ بل كان، ولا يزال، في الصفوف الأولى لمواجهة مشاكل القرب، من دعم الأسر المعوزة إلى تأطير الشباب، ومن الدفاع عن الحقوق إلى المساهمة في التنمية المحلية. ومع ذلك، ظل هذا الجهد الكبير في كثير من الأحيان خارج غرف القرار.
الفكرة ببساطة هي نقل روح العمل الجمعوي إلى السياسة. ليس فقط كخطاب، بل كمنهج. لأن من تعود أن يشتغل وسط الناس، يسمع لهم، ويتفاعل مع مشاكلهم اليومية، لا يمكنه أن يمارس السياسة بنفس الأدوات التقليدية التي صنعت فجوة بين المنتخب والمواطن.
حزب المجتمع المدني يأتي بهذا النفس: السياسة ليست امتيازًا، بل مسؤولية. ليست موقعًا للوجاهة، بل مساحة للخدمة. وهذا التحول في الفهم هو ما يعطي لهذا المشروع نكهته الخاصة.
حين يختار الحزب الشجرة رمزًا له، فهو لا يبحث عن صورة جميلة فقط، بل عن معنى عميق: جذور ثابتة في الأرض، أي ارتباط حقيقي بالمجتمع، وفروع ممتدة تمنح الظل، أي خدمة الناس دون تمييز. هي صورة تختصر ما يجب أن تكون عليه السياسة في جوهرها.
أما الأولويات، فهي ليست وعودًا كبيرة بعيدة عن الواقع، بل تفاصيل يومية تصنع كرامة العيش: نظافة، إنارة، نقل، صحة، تعليم، وشغل. هذه القضايا التي قد تبدو بسيطة، هي في الحقيقة معيار جدية أي مشروع سياسي. لأن المواطن لا يقيس الخطابات، بل يقيس أثرها في حياته.
واللافت في هذا المشروع ليس فقط ما يقوله، بل كيف يريد أن يشتغل. الحديث عن تزكية مرتبطة بالعمل الميداني، وعن برامج محلية موقعة مع الساكنة، وعن تقييم سنوي علني، كلها مؤشرات على رغبة في كسر منطق “السياسة الموسمية” التي تظهر فقط عند الانتخابات. هنا، الفكرة مختلفة: الحضور يجب أن يكون دائمًا، والمساءلة يجب أن تكون مستمرة.
هذا التوجه ينسجم مع روح دستور 2011، الذي فتح الباب أمام الديمقراطية التشاركية، لكنه يذهب خطوة أبعد: من التنظير إلى الممارسة. من النصوص إلى التطبيق الفعلي على الأرض.
الأهم من ذلك، أن الحزب لا يطرح نفسه في مواجهة مع الفاعلين السياسيين الآخرين، بل في مواجهة مع نمط معين من الممارسة السياسية التي فقدت جزءًا من مصداقيتها. هو رهان على إعادة الثقة، لا عبر الشعارات، بل عبر الفعل.
في النهاية، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو تأسيس حزب جديد، بل الحفاظ على هذا النفس النقي وسط تعقيدات العمل السياسي. لأن الميدان، الذي صنع الفكرة، سيكون هو نفسه من يحاسبها.
وبين الحلم والواقع، يبقى الرهان واضحًا: هل يمكن أن تتحول أخلاق العمل الجمعوي إلى قوة سياسية حقيقية؟
هذا ما سيجيب عنه الزمن… لكن البداية، على الأقل، تبدو صادقة.





إرسال تعليق