بين الحقيقة والرواية … معركة الوعي في العصر الرقمي

  • بتاريخ : أبريل 15, 2026 - 3:54 م
  • الزيارات : 66
  • بين الحقيقة والرواية … معركة الوعي في العصر الرقمي

    15/04/2026

    مقال اليوم السادس من المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام

     

    ✍️د سمير أشقر

    اعلامي و سفير سلام دولي

     

    لم تعد الحقيقة في عصرنا تُقدَّم كما هي، بسيطةً ومباشرة. بل أصبحت تمرّ عبر طبقات من السرد، وإعادة الصياغة، والتأويل، حتى بات من الصعب أحيانًا التمييز بين ما حدث فعلًا، وبين الطريقة التي رُوي بها ما حدث.

    في العالم الرقمي، لم يعد من يملك المعلومة هو الأقوى، بل من يملك القدرة على صياغتها في قصة مؤثرة. فالسرد اليوم لا ينقل الواقع فقط، بل يعيد تشكيله داخل وعي المتلقي، بطريقة قد تغيّر الانطباع، والموقف، بل وحتى الحكم على الأشياء.

    إننا نعيش زمن “معركة السرديات”، حيث تتنافس الروايات لا من خلال قوة الدليل فقط، بل من خلال قوة الإقناع، وسحر اللغة، وسرعة الانتشار. وفي هذا السياق، يمكن لنفس الحدث أن يُقدَّم بعدة صور متناقضة، وكل صورة تجد جمهورها الذي يصدّقها ويتبناها.

    هنا تكمن الخطورة… لأن الوعي الإنساني لا يتأثر دائمًا بالحقائق المجردة، بل بالطريقة التي تُروى بها تلك الحقائق. فالقصة المؤثرة قد تتفوّق أحيانًا على الحقيقة الجافة، والصورة المنتقاة قد تطغى على السياق الكامل، والعنوان الموجّه قد يسبق الفهم العميق.

    ومع تزايد تدفق المعلومات، أصبح الإنسان أمام فيض من الروايات المتنافسة، ما يجعله عرضة للارتباك أو الانحياز دون وعي. وهكذا تتشكل قناعاته أحيانًا بناءً على ما يتكرر أمامه، لا على ما يتم التحقق منه فعليًا.

    لكن هذا لا يعني أن الحقيقة غابت، بل يعني أنها أصبحت تحتاج إلى جهد أكبر لاكتشافها. فتمييز الحقيقة من الرواية لم يعد أمرًا تلقائيًا، بل مهارة ذهنية قائمة على النقد، والتحليل، والتثبت، وعدم الانسياق خلف الانطباع الأول.

    إن الوعي في هذا العصر لم يعد مجرد استقبال للمعلومة، بل أصبح عملية فلترة مستمرة لكل ما يصل إلينا. أن نتساءل: من يقول هذا؟ ولماذا؟ وكيف صيغت هذه القصة؟ وما الذي تم إغفاله عمدًا أو سهوًا؟

    وفي خضم هذا الصراع الخفي بين الحقيقة والسرد، يصبح الإنسان مسؤولًا عن وعيه أكثر من أي وقت مضى. لأن من لا يمتلك أدوات التمييز، قد يجد نفسه يعيش داخل رواية لم يخترها، ويؤمن بقصة لم يختبر حقيقتها.

    في النهاية، ليست المشكلة أن هناك روايات متعددة…

    بل المشكلة حين ننسى أن الحقيقة لا تُختزل في رواية واحدة.

    ففي عصر السرديات المتزاحمة، يبقى السؤال الأهم:

    هل نحن من نختار القصة… أم أن القصة هي التي تختارنا؟