سيف إدريس الثاني فوق منارة القرويين ، ذاكرة لا تنطفئ

  • بتاريخ : أبريل 18, 2026 - 7:44 م
  • الزيارات : 90
  • سيف إدريس الثاني فوق منارة القرويين ، ذاكرة لا تنطفئ

     

    بقلم: د. سمير أشقر

    من حفدة الشرفاء الأدارسة

    منذوب جريدة النهضة الدولية

     

    في لحظة صمتٍ تعلو فوق أزقة فاس العتيقة، حيث تختلط رائحة الزمن بنداء المآذن، يلوح مشهدٌ فريد: سيفٌ معلق فوق منارة جامع القرويين، كأنه لا ينتمي فقط إلى الماضي، بل يراقب الحاضر أيضًا. هناك، في الأعلى، لا يقف مجرد معدن صامت، بل تقف حكاية كاملة، تناقلتها الكتب والذاكرة، ونسجها الشعر كما نسجها التاريخ.

     

     

    تُجمع عدد من الروايات المغربية على أن هذا السيف يُنسب إلى المولى إدريس الثاني، مؤسس فاس وروحها الأولى، وأنه ارتبط بسلسلة من الأحداث التي نقلتها مصادر تاريخية وأدبية عبر القرون. وتورد بعض هذه الروايات أن السيف في أصله موروث عن المولى إدريس الأكبر، الذي قدم به من المشرق إلى المغرب، في رحلة تأسيس الدولة الإدريسية، بل وتذهب بعض الأقوال إلى ربطه بسيوف نُسبت إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في امتداد رمزي يجمع النسب بالتاريخ.

    وتنقل مصادر مثل الجزنائي وابن أبي زرع أن هذا السيف كان موضوع خلاف بين بعض أحفاد المولى إدريس، حيث أراد كل واحد منهم أن ينفرد به، قبل أن تُحسم المسألة بطريقة غير تقليدية. فقد اجتمعوا، كما تروي المصادر، عند أحمد بن أبي بكر الزناتي، الذي عرض عليهم أن يضع السيف في مكان يعلو الجميع، فلا يبقى ملكًا لأحد بل يصبح رمزًا للجميع.

    وهكذا، ووفق ما تنقله الروايات، تم تعليق السيف أعلى صومعة جامع القرويين، في سياق يرتبط بالتوسعة الأولى للجامع خلال القرن العاشر الميلادي (حوالي 345هـ/956م). وتُعد هذه الصومعة من أقدم المآذن في الغرب الإسلامي التي ما تزال قائمة إلى اليوم، بارتفاع يقارب 27 مترًا، وبشكلها المربع الذي يميز عمارة المآذن المغربية والأندلسية.

     

    ومنذ ذلك الحين، لم يعد السيف مجرد أثر مادي، بل تحول إلى علامة بصرية تلامس السماء، وإلى رمز استقر في وجدان المدينة. وتضيف الروايات أنه ظل معلقًا في أعلى المنارة، صامدًا أمام تقلبات الزمن، من حرّ وبرد ورياح، وكأنه يختبر الزمن كما تختبره المدن العريقة.

    غير أن حضور السيف لم يقتصر على كتب التاريخ، بل امتد إلى الشعر، حيث نشأ ما يُعرف بـ“أدب السيف”، الذي تناول هذا الرمز في قصائد متعددة، عكست مكانته في المخيال الثقافي. ومن ذلك ما نُسب إلى أبي العباس أحمد بن عبد الحي الحلبي:

    حسامٌ لإدريس بن إدريس منتضى

    على الجامع القروي في الليل قد أضا

    إشارته أغنت لبيبًا بقولها

    تشير بفضلٍ لإدريس مرتضى

    وقال أبو محمد عبد الغفار البوخلفي:

    ذكرت ولم أكن للذكر ناسي

    عجائب سيف إدريس بفاس

    فلم يك بالمنار سدى ولكن

    ليدفع عن حماها كل باس

    كما قال الفقيه أبو العلاء إدريس بن رشيد الفهري:

    سل إدريس بالمنار حسامًا

    منتضى ذلك عن شديد العقاب

    داعيًا للصلاة إذ لم تجيبوا

    فحقيق الجزاء ضرب الرقاب

    وتتضافر هذه النصوص مع ما ورد في كتب مثل جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس لعبد الوهاب بن منصور، والأنيس المطرب بروض القرطاس لابن أبي زرع، والاستقصا للناصري، لتشكّل صورة متكاملة عن حضور هذا السيف في الذاكرة المكتوبة، بين التاريخ والتأويل والرمز.

    وهكذا، لا يظهر السيف الإدريسي اليوم مجرد قطعة من الماضي، بل كعلامة حيّة على كيفية تحوّل الوقائع إلى رموز، وكيف تصنع المدن ذاكرتها من تفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تكبر مع الزمن حتى تصبح جزءًا من الهوية.

    وفي النهاية، تبقى قصة السيف الإدريسي فوق منارة جامع القرويين أكثر من رواية تُروى؛ إنها مرآة لمدينةٍ تعرف كيف تحفظ تاريخها، لا في الكتب فقط، بل في أعالي مناراتها… حيث لا تزال فاس تقرأ نفسها من الأعلى.