A place where you need to follow for what happening in world cup

التصوير الصحفي… حين تتحدث الصورة بدل الكلمات

0 393

21/04/2026
مقال اليوم الثاني عشر من المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام

بقلم سمير أشقر
اعلامي ، سفير سلام دولي

لا يتحدث المصور الصحفي عن الكاميرا بقدر ما يتحدث عن “الرؤية”. فالتصوير الصحفي ليس مجرد أداة تلاحق الأحداث أو توثّق المؤتمرات واللقاءات، بل هو امتداد حيّ للصحافة نفسها؛ وسيلة لشرح القضايا المعقدة، وطرح الأسئلة، والبحث عن الحقيقة… لكن بلغة بصرية تصل إلى الجميع دون حاجة إلى ترجمة.
الصورة هنا لا تُلتقط فقط… بل تُبنى.
ليست لحظة عابرة تُسجَّل، بل حكاية تُروى في إطار واحد. كل تفصيل داخلها — نظرة، ظل، حركة، أو حتى الفراغ — يحمل معنى، ويخدم فكرة واحدة: أن يشعر المشاهد بما يحدث، لا أن يراه فقط.
وفي هذا السياق، يصبح العنصر الإنساني هو القلب النابض للصورة، حتى وإن لم يظهر بشكل مباشر. فوجود الإنسان، أو أثره، هو ما يمنح المشهد روحه. صورة طبيعية لبركان مثلًا قد تُبهر العين، لكنها تتحول إلى قصة إنسانية حين يظهر فيها إنسان يهرب، أو يقف في مواجهة الخطر. هنا، تنتقل الصورة من الجمال إلى المعنى… ومن المشهد إلى الرسالة.
لكن بين لحظة الالتقاط ولحظة التلقي، يحدث شيء أعمق من مجرد نقل للواقع… يحدث التأثير. فالصورة الصحفية لا تكتفي بأن تُرى، بل تتسلل بهدوء إلى وجدان المتلقي، تلامس إحساسه قبل عقله، وتفتح داخله مساحة للتساؤل وربما للموقف. إنها لحظة صامتة قادرة على إيقاف الضجيج، لتضعنا وجهًا لوجه أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها. وهنا، تتحول الصورة من توثيقٍ للحدث إلى قوة فاعلة تُحرّك المشاعر، وتعيد تشكيل الإدراك، وتمنح للواقع صوتًا لا يُقاوَم.
لكن ما يصنع الفارق الحقيقي في التصوير الصحفي هو “اللحظة”.
تلك اللحظة التي لا تُعاد، ولا تنتظر، ولا تمنح فرصة ثانية. على عكس السينما، لا مجال للإعادة أو التصحيح. إما أن تُلتقط اللحظة كما هي… أو تضيع إلى الأبد. ولهذا، لا تكون الكاميرا هي العنصر الحاسم، بل وعي المصور، حضوره، وحدسه الذي يلتقط ما سيحدث قبل أن يحدث.
وربما ما يمنح الصورة الصحفية قوتها الاستثنائية هو بساطتها العميقة. فهي لغة إنسانية مشتركة، تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية. لا تحتاج إلى شرح مطوّل، ولا إلى تحليل معقد… يكفي أن تُرى لتُفهم، وأن تُحسّ لتُدرك.
وقد أثبت التاريخ أن بعض الصور لا تنقل الخبر فقط، بل تُغيّر مساره. صور قليلة استطاعت أن تهز الرأي العام، وتوقظ الضمير الإنساني، وتدفع العالم إلى إعادة التفكير في قضاياه الكبرى. ليست لأنها جميلة، بل لأنها صادقة… قريبة… وموجعة أحيانًا.
ومع مرور الزمن، لا تبقى هذه الصور مجرد مواد إعلامية عابرة، بل تتحول إلى وثائق حيّة تحفظ ذاكرة الشعوب. ما نلتقطه اليوم كخبر، قد يُقرأ غدًا كشاهد على مرحلة كاملة من التاريخ. وهنا، يتجاوز التصوير الصحفي حدود اللحظة… ليصبح ذاكرة العالم.
في النهاية، الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع،
بل طريقة لرؤيته… وربما لإعادة فهمه.
فحين تصمت الكلمات،
تتكفل الصورة بأن تقول كل شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.