بقلم سمير أشقر
في الثامن والعشرين من أبريل من كل عام، يقف العالم عند محطة بالغة الأهمية، هي اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل، مناسبة دولية تذكرنا بأن بيئة العمل الآمنة لا تقتصر على الوقاية من الحوادث والإصابات الجسدية فحسب، بل تشمل أيضا حماية الصحة النفسية والاجتماعية للعاملين، باعتبارها ركيزة أساسية للإنتاجية والاستقرار والتنمية المستدامة.
ويأتي شعار هذا العام ليؤكد حقيقة أصبحت أكثر وضوحا في عالم العمل المعاصر، وهي أن العوامل النفسية والاجتماعية داخل بيئة العمل تؤثر بشكل مباشر في سلامة العاملين وصحتهم وأدائهم. فعبء العمل المفرط، وساعات العمل الطويلة، وغموض الأدوار، وضعف الاستقلالية، وغياب الدعم، وافتقار المؤسسات إلى إجراءات عادلة وشفافة، كلها عوامل قد تتحول إلى مخاطر حقيقية لا تقل أثرا عن المخاطر المهنية التقليدية.
لقد أثبتت التجارب والدراسات أن بيئة العمل غير الصحية نفسيا لا تؤدي فقط إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق والاحتراق الوظيفي، بل تنعكس أيضا على جودة الأداء، وتزيد من معدلات الغياب، وتؤثر سلبا في روح المبادرة والابتكار داخل المؤسسات. والأسوأ من ذلك أنها قد تفضي إلى مشكلات صحية جسدية ونفسية، ما يجعل الاهتمام بالصحة النفسية في العمل ضرورة إنسانية واقتصادية في آن واحد.
إن بناء بيئة عمل صحية نفسيا واجتماعيا يبدأ من الاعتراف بأن الإنسان هو محور العملية الإنتاجية. فالمؤسسات الناجحة هي تلك التي تضع رفاه العامل في صميم استراتيجياتها، من خلال تعزيز ثقافة الاحترام، وتوفير الدعم النفسي، وضمان وضوح الأدوار، وإتاحة فرص المشاركة في اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة بفعل الرقمنة وتغير أنماط العمل، أصبح من الضروري إعادة التفكير في كيفية تنظيم العمل وإدارته، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأداء واحتياجات الإنسان. فالإنتاجية الحقيقية لا تبنى على الضغط المستمر، بل على بيئة يشعر فيها العامل بالأمان، والتقدير، والانتماء.
إن اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل ليس مجرد مناسبة للتوعية، بل هو دعوة صريحة للحكومات وأرباب العمل والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني للعمل معا من أجل ترسيخ ثقافة وقائية شاملة، تعترف بأن الصحة النفسية حق أساسي من حقوق الإنسان في العمل.
فحين نضمن بيئة عمل صحية نفسيا واجتماعيا، فإننا لا نحمي العامل فحسب، بل نحمي المؤسسة، ونعزز الاقتصاد، ونبني مجتمعا أكثر توازنا وإنصافا. لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ دائما من الإنسان.
