بين حماية الإنسان وصون كرامة الحيوان… التعقيم والتلقيح خيار المدن الذكية
في مشهد بسيط ظاهريًا، عميق في دلالاته، يجلس شاب وسط مجموعة من الكلاب، يطعمها في هدوء وكأنه يبعث برسالة صامتة إلى مجتمع بأكمله: الحل ليس في المواجهة، بل في الفهم. ليست هذه مجرد صورة عابرة، بل مرآة لقضية تؤرق العديد من المدن المغربية، حيث يتزايد الجدل حول ظاهرة الكلاب الضالة بين هواجس الأمن الصحي ونداء الرحمة.
لقد تحولت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة إلى موضوع نقاش عمومي حاد، خاصة مع تزايد شكاوى المواطنين من حوادث الاعتداء أو الخوف المنتشر في الأحياء. لكن في المقابل، يبرز صوت آخر يدعو إلى مقاربة إنسانية، تحترم حق الحيوان في الحياة، وتبحث عن حلول جذرية بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية.
هنا يبرز خيار التعقيم والتلقيح كحل واقعي ومتوازن. فالتعقيم يحد من التكاثر العشوائي الذي يغذي تفاقم الظاهرة، بينما يوفر التلقيح حماية ضرورية ضد الأمراض، وعلى رأسها داء السعار. إنها مقاربة أثبتت نجاعتها في عدة دول، حيث نجحت في تقليص أعداد الحيوانات الضالة دون اللجوء إلى أساليب الإبادة التي تثير الكثير من الجدل الحقوقي والأخلاقي.
الصورة توثق أيضًا جانبًا آخر غالبًا ما يُغفل: حين يشعر الحيوان بالأمان، يتغير سلوكه. الكلاب المحيطة بالشاب تبدو هادئة، منسجمة، بل وتُظهر نوعًا من الثقة. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل الخطر في الحيوان ذاته، أم في الطريقة التي نتعامل بها معه؟
الرهان اليوم يتجاوز المبادرات الفردية، رغم أهميتها. المطلوب هو تدخل مؤسساتي منظم، عبر برامج محلية وجهوية تعتمد على التعقيم والتلقيح، وتُشرك الأطباء البيطريين وجمعيات المجتمع المدني، إلى جانب حملات توعية تُعيد تشكيل نظرة المجتمع لهذه الكائنات.
إن بناء مدينة آمنة لا يعني فقط حماية الإنسان، بل يشمل أيضًا خلق توازن يحترم كل أشكال الحياة داخلها. وبين خيار الإقصاء وخيار الاحتواء، يبدو أن الطريق الأكثر حكمة هو ذاك الذي يجمع بين العقل والرحمة.
في النهاية، لا تختصر هذه الصورة فعل إطعام كلاب جائعة، بل تختزل رؤية كاملة: أن الإنسانية لا تتجزأ، وأن الحلول الحقيقية تبدأ حين نختار أن نفهم بدل أن نخاف، وأن نعالج بدل أن نقصي.
مصطفى التاقي – جريدة النهضة الدولية





إرسال تعليق