بقلم سمير أشقر
في الثالث من ماي من كل عام، يقف العالم أمام مناسبة تتجاوز طابع الاحتفاء الرمزي، لتتحول إلى لحظة تأمل عميقة في واقع الصحافة ورسالتها النبيلة. إنه اليوم العالمي لحرية الصحافة؛ اليوم الذي تتجدد فيه الدعوة إلى صون الكلمة الحرة، وحماية الحق في الوصول إلى الحقيقة، وتعزيز مكانة الإعلام باعتباره أحد أعمدة المجتمعات الديمقراطية الحديثة.

في رسالته بمناسبة هذه الذكرى لعام 2026، اختزل الأمين العام للأمم المتحدة، António Guterres، جوهر القضية في عبارة بليغة: “كل الحرية تعتمد على حرية الصحافة”. كلمات تحمل في طياتها حقيقة راسخة؛ فحرية الصحافة ليست مجرد حق مهني للصحفيين، بل هي أساس متين تُبنى عليه منظومة الحريات العامة، وركيزة لا غنى عنها لضمان الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.
فالصحافة الحرة تؤدي دورًا يتجاوز نقل الأخبار إلى تشكيل الوعي العام، وتمكين المواطنين من الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة، بما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة. ومن دون إعلام مستقل، تتراجع فرص الرقابة المجتمعية، وتضعف آليات المحاسبة، فيما تتسع مساحات التضليل وتغيب الحقائق.

غير أن هذه الرسالة السامية تواجه اليوم تحديات متزايدة في مختلف أنحاء العالم. فالصحفيون، في كثير من البلدان، يزاولون مهامهم في بيئات محفوفة بالمخاطر، حيث تتنوع التهديدات بين الرقابة والمراقبة، والملاحقات القانونية، وحملات التشهير، وصولًا إلى الاعتداءات الجسدية والاستهداف المباشر، لا سيما في مناطق النزاعات والأزمات. وما يزيد المشهد قتامة أن نسبة كبيرة من الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين تظل بلا مساءلة، ما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب ويقوض أسس العدالة.
وفي زمن تتسارع فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، تظل الصحافة خط الدفاع الأول عن الحقيقة. فهي التي توثق الوقائع، وتكشف الانتهاكات، وتنقل أصوات المهمشين إلى فضاءات الرأي العام. وعندما يُستهدف الصحفي، فإن المستهدف الحقيقي ليس فردًا بعينه، بل حق المجتمع بأسره في المعرفة.
ولم تعد التحديات تقتصر على المخاطر التقليدية فحسب، بل أفرزت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا يفرض على الإعلام مسؤوليات إضافية. فانتشار الأخبار الزائفة، وتنامي حملات التضليل، وهيمنة الخوارزميات، والتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تضع مصداقية المعلومة أمام اختبار حقيقي. ومن هنا، يصبح الاستثمار في أخلاقيات المهنة، وترسيخ ثقافة التحقق، وتطوير الكفاءات الرقمية، خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل.
وفي المغرب، كما في سائر دول العالم، يظل تعزيز حرية الصحافة ورشًا مفتوحًا يتطلب مواصلة الإصلاحات، وتوفير بيئة قانونية ومهنية تضمن للصحفيين ممارسة رسالتهم باستقلالية وأمان. فإعلام قوي ومؤثر لا يمكن أن يزدهر في بيئة تعاني من الهشاشة المهنية أو الضغوط الاقتصادية أو القيود غير المبررة.
إن الدفاع عن حرية الصحافة هو، في جوهره، دفاع عن الديمقراطية ذاتها. فهو دفاع عن حق المواطن في الوصول إلى معلومة دقيقة، وعن حق المجتمع في مساءلة السلطة، وعن حق الحقيقة في أن تُروى بلا خوف أو تزييف.
وفي هذا اليوم العالمي، تتجدد المسؤولية الجماعية لحماية الصحفيين، وصون استقلالية المؤسسات الإعلامية، والتصدي لكل أشكال التضييق والتضليل. لأن الحقيقة لا تحتاج فقط إلى من ينطق بها، بل إلى من يحميها أيضًا.
فلا سلام بلا حقيقة، ولا تنمية بلا شفافية، ولا ديمقراطية بلا صحافة حرة. وتبقى الكلمة الحرة، على الدوام، الحصن الأخير للكرامة الإنسانية، والضمانة الأسمى لمستقبل أكثر عدلًا وانفتاحًا.