الفيروسات العابرة للحدود… لماذا أصبحت التنمية المستدامة قضية بقاء إنساني؟
ـ بقلم الاعلامي و سفير السلام الدولي د. سمير أشقر ـ
لم تعد الأوبئة والفيروسات مجرد أحداث صحية عابرة تظهر في نشرات الأخبار ثم تختفي، بل أصبحت مرآة حقيقية تكشف هشاشة العالم المعاصر، وتفضح حجم الترابط بين الإنسان والطبيعة والاقتصاد والسياسة والصحة. فكل فيروس جديد يظهر، سواء كان محدود الانتشار أو مقلقًا عالميًا، يحمل رسالة واضحة مفادها أن البشرية تعيش مرحلة دقيقة تتطلب إعادة التفكير في طريقة تعاملها مع البيئة والحياة والتنمية.
خلال العقود الأخيرة، شهد العالم ظهور فيروسات وأوبئة متعددة؛ من سارس وإيبولا إلى كوفيد-19، ثم المخاوف المتزايدة المرتبطة بفيروسات ناشئة مثل هانتا. ورغم اختلاف طبيعة هذه الأمراض، إلا أن القاسم المشترك بينها هو أنها كشفت حقيقة أساسية: لا يمكن تحقيق الأمن الصحي دون تنمية مستدامة حقيقية.
لقد أصبح الإنسان يتدخل بشكل متسارع في الأنظمة البيئية، يقترب أكثر من الغابات والحياة البرية، ويستهلك الموارد الطبيعية بوتيرة غير مسبوقة. هذا التوسع المستمر فتح المجال أمام انتقال فيروسات كانت معزولة داخل الحيوانات إلى البشر. ومع تسارع السفر العالمي وحركة التجارة والهجرة، صار أي خلل صحي محلي قادرًا على التحول إلى قضية دولية خلال أيام قليلة.
ومن هنا تبرز أهمية أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الامم المتحدة ” United Nations SDGs” كخريطة طريق لحماية مستقبل البشرية. فهذه الأهداف لم تعد مجرد شعارات مرتبطة بالفقر أو المناخ فقط، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن العالمي.
الهدف المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه لم يعد منفصلًا عن حماية البيئة أو مكافحة التغير المناخي. فالعالم اكتشف أن تدمير الغابات، وتلوث المياه، واختلال التوازن البيئي، كلها عوامل قد تتحول لاحقًا إلى أزمات صحية خطيرة. كما أن ضعف الأنظمة الصحية في بعض الدول لا يهدد شعوبها فقط، بل قد يؤثر على الاستقرار العالمي بأكمله.
لقد منحتنا الأزمات الصحية الحديثة درسًا قاسيًا لكنه مهم: مصير الإنسانية مترابط أكثر من أي وقت مضى. فلا الجغرافيا، ولا الحدود، ولا القوة الاقتصادية، قادرة وحدها على عزل الدول عن المخاطر العابرة للحدود. ولهذا أصبحت الشراكات الدولية، وتبادل المعرفة العلمية، والاستثمار في البحث والابتكار، ضرورة وجودية لا رفاهية سياسية.
وفي خضم هذا التحول العالمي، بات من الضروري أيضًا نشر ثقافة الوعي بدل الخوف، والعلم بدل الشائعات. فالمجتمعات الواعية والقادرة على فهم المخاطر الصحية والتعامل معها بعقلانية، هي المجتمعات الأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن العالم اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي: إما بناء نموذج تنموي يحترم الإنسان والطبيعة معًا، أو الاستمرار في مسار قد يجعل الأزمات الصحية والبيئية أكثر تكرارًا وتعقيدًا في المستقبل.
وفي النهاية، قد لا تكون أخطر الفيروسات هي تلك التي تصيب الجسد فقط، بل تلك التي تصيب وعي الإنسان حين ينسى أن بقاءه مرتبط بتوازن هذا الكوكب الذي يعيش عليه.