حين يسقط النصاب… من يحاسب الغائبين عن الحقيقة؟

  • بتاريخ : يونيو 2, 2026 - 12:35 ص
  • الزيارات : 7
  • في الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد المقاعد التي تملؤها، بل بقدرتها على كشف الحقيقة عندما يطالب بها المواطنون. وحين يتعلق الأمر بملف يثير أسئلة حول مليارات الدراهم من المال العام، فإن أول ما ينتظره الرأي العام ليس البيانات المتبادلة ولا السجالات الحزبية، بل آلية رقابية مستقلة تضع الوقائع أمام الجميع.

    ملف دعم استيراد الأغنام تحول خلال الأشهر الماضية إلى أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش في المغرب. أرقام متضاربة، تصريحات متناقضة، وأسئلة متزايدة حول حجم الدعم، والمستفيدين منه، ومدى انعكاسه على الأسعار التي يدفعها المواطن. وفي خضم هذا الجدل، برز مطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق باعتباره المسار المؤسساتي الطبيعي لحسم النقاش بالوثائق والمعطيات الرسمية.

    غير أن المبادرة لم تكتمل.

    هنا لا يتعلق الأمر فقط بإجراء برلماني أو بحسابات الأغلبية والمعارضة، بل بسؤال أعمق: ماذا يحدث عندما تعجز المؤسسة الرقابية عن تفعيل إحدى أهم أدواتها الدستورية في ملف يهم المال العام؟

    المواطن لا ينتظر من ممثليه أن يتفقوا في المواقف السياسية، لكنه ينتظر منهم أن يتفقوا على حق المجتمع في المعرفة. فحين تُطرح شبهات أو تساؤلات حول تدبير مليارات الدراهم، تصبح الشفافية واجباً سياسياً وأخلاقياً قبل أن تكون خياراً حزبياً.

    قد يكون من حق أي منتخب أن يرفض لجنة تقصي الحقائق إذا كان يملك مبرراته السياسية أو القانونية. لكن من حق المواطنين أيضاً أن يعرفوا تلك المبررات بوضوح. لأن الغموض في مثل هذه الملفات لا يطفئ الشكوك، بل يغذيها. وكلما غابت الأجوبة الرسمية، ازدادت مساحة التأويلات والإشاعات وفقدان الثقة.

    المشكلة ليست في الاختلاف حول تشكيل لجنة من عدمها. المشكلة أن الرأي العام وجد نفسه أمام ملف ضخم، وضجيج سياسي كبير، ونتيجة واحدة: الحقيقة ما زالت بعيدة عن متناول المواطنين.

    الديمقراطية لا تخاف من التحقيق، بل تزداد قوة به. والمؤسسات لا تضعف عندما تفتح ملفات حساسة، بل عندما تبدو عاجزة عن فتحها. لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس من ربح المعركة الإجرائية داخل البرلمان، بل من خسر فرصة تقديم إجابات واضحة للمغاربة؟

    إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية والمحاسبة. وعندما يتعلق الأمر بالمال العام، فإن حق المواطن في معرفة الحقيقة ليس امتيازاً تمنحه السياسة، بل حق أصيل تكفله مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    قد يسقط النصاب، وقد تتعثر المبادرات، وقد تنتصر الحسابات السياسية في لحظة ما. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً في أذهان المواطنين هو: إذا كانت الحقيقة لا تستحق لجنة لتقصيها، فكيف يمكن استعادة الثقة في نتائج لا أحد يريد التحقيق فيها؟.