,مجرد راي
بقلم/الدكتور مصطفى مستقيم
في خضم الثورة الرقمية المتسارعة لم يعد السؤال المطروح هو هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على سوق الشغل بل متى وكيف سيغيره بشكل جذري فالعالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة قد تضع حدا لعدد من المهن التقليدية التي ظلت لعقود طويلة مصدر رزق لملايين البشر وقد يبدو الأمر مخيفا للبعض لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل
برأيي الشخصي فإن أولى الوظائف المهددة بالانقراض هي الأعمال الروتينية المتكررة التي تعتمد على تنفيذ أوامر ثابتة دون حاجة كبيرة للإبداع أو التفكير النقدي فموظفو إدخال البيانات على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على تعويض جزء كبير من عملهم بسرعة ودقة تفوق الإنسان كما أن مراكز الاتصال التقليدية بدأت تفقد مكانتها أمام المساعدات الذكية القادرة على الرد على الزبائن على مدار الساعة بلغات متعددة ومن دون تعب أو أخطاء بشرية متكررة
ولن تقف الموجة عند هذا الحد فحتى بعض المهن الإدارية والمحاسبية البسيطة أصبحت مهددة بعدما صار بإمكان الأنظمة الذكية تحليل الفواتير وتنظيم الحسابات واكتشاف الأخطاء المالية في دقائق قليلة كما أن قطاع الإعلام نفسه لن يكون بمنأى عن هذا التحول إذ بات الذكاء الاصطناعي يكتب الأخبار القصيرة ويحرر النصوص ويقترح العناوين ويصمم الصور بل ويحلل توجهات الجمهور بسرعة مذهلة
أما في قطاع النقل فإن سائقي سيارات الأجرة والشاحنات قد يجدون أنفسهم مستقبلا أمام منافسة غير مسبوقة مع المركبات ذاتية القيادة التي تتطور عاما بعد آخر وفي المصانع تتجه الشركات بشكل متزايد نحو الروبوتات الذكية التي لا تطالب بعطل ولا أجور إضافية ولا تتوقف بسبب الإرهاق ما يجعل بعض الوظائف اليدوية المتكررة مهددة بشكل حقيقي
لكن رغم هذه الصورة التي تبدو مقلقة فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الإنسان بالكامل يبقى مبالغا فيه لأن هناك وظائف يصعب تعويضها بسهولة مثل التعليم والرعاية الصحية والأعمال التي تحتاج إلى حس إنساني وتعاطف وإبداع واتخاذ قرارات أخلاقية معقدة فالطبيب قد يستعين بالذكاء الاصطناعي لكنه لن يختفي والمعلم قد يستخدمه في الشرح لكنه سيظل بحاجة إلى دوره التربوي والإنساني
المشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا نفسها بل في استعداد الدول والمجتمعات لهذا التحول فالدول التي تستثمر في التكوين وإعادة التأهيل المهني ستنجح في تحويل الأزمة إلى فرصة بينما قد تجد الدول المتأخرة نفسها أمام بطالة واسعة وفجوة اجتماعية خطيرة لذلك فإن الرهان اليوم ليس على مقاومة الذكاء الاصطناعي بل على تعلم كيفية التعايش معه وتحويله من خصم محتمل إلى أداة تخدم الإنسان بدل أن تزيحه من المشهد