قضية (بنسنس) بين الرفق بالحيوان والرفق بالإنسان

  • بتاريخ : يونيو 24, 2026 - 12:02 م
  • الزيارات : 36
  • بقلم الاستاذ ادريس فقيري

    أثارت قضية اليوتيوبر المغربي (بنسنس) جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي وبين مكونات المجتمع المدني، بعدما تحولت إحدى حلقاته المثيرة للجدل إلى ملف قضائي دخلت على خطه جمعيات للرفق بالحيوان، في مقابل أصوات أخرى اعتبرت أن القضية يجب أن تُعالج من زاوية إنسانية ونفسية قبل اللجوء إلى المحاكم.

    وقد اشتهر بنسنس خلال السنوات الأخيرة بمحتوى يعتمد على التحديات الخطيرة وغير المألوفة، حيث كان يقدم مشاهد تتسم بالمغامرة والمخاطرة الشديدة، الأمر الذي مكنه من تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة وجذب ملايين المتابعين. غير أن هذا النوع من المحتوى أثار تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط النفسية والاجتماعية والسعي وراء الشهرة على سلوك بعض صناع المحتوى.

    وفي خضم الجدل، سارعت بعض جمعيات الرفق بالحيوان إلى رفع دعاوى قضائية على خلفية إقدام اليوتيوبر على تناول كلب نافق خلال أحد التحديات، معتبرة أن الأمر يمس بصورة الحيوان ويشجع على سلوكيات غير مقبولة. كما طالبت إحدى الجمعيات بتعويض مالي كبير، بينما اختارت جمعيات أخرى مساندة الدعوى من خلال الحضور الإعلامي ومواكبة أطوار المحاكمة.

    في المقابل، يرى عدد من المتابعين والحقوقيين أن القضية تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بالأولوية بين حماية الحيوان وبين مساعدة الإنسان الذي قد يكون بدوره ضحية ظروف نفسية أو اجتماعية دفعته إلى القيام بتصرفات صادمة بحثاً عن الشهرة أو التفاعل. ويتساءل هؤلاء: هل كان من الأجدى فتح باب الحوار مع الشاب وعرضه على مختصين نفسيين أو تأطيره وتوجيهه بدل الزج به في مسار قضائي قد يؤثر على مستقبله؟

    كما يطرح بعض المنتقدين تساؤلات حول دور جمعيات الرفق بالحيوان في معالجة الإشكالات اليومية المرتبطة بالحيوانات الضالة والنافقة في الشوارع، والتي تشكل أحياناً خطراً صحياً وبيئياً على الساكنة، خاصة الأطفال. ويرى هؤلاء أن الدفاع عن الحيوان لا ينبغي أن يقتصر على القضايا المثيرة إعلامياً، بل يجب أن يشمل معالجة المشاكل الواقعية التي يعيشها المواطنون بشكل يومي.

    ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار وجود جمعيات تقوم بأدوار مهمة ومشهود لها في مجال حماية الحيوان والتوعية بحقوقه، وقد اختارت بعضها التزام الحياد في هذه القضية، وهو موقف يستحق الاحترام والتقدير.

    ويبقى السؤال الأهم: هل الهدف من العمل الجمعوي هو العقاب فقط، أم البحث عن حلول تساهم في إصلاح الأفراد وحماية المجتمع؟ فالكثيرون يرون أن الحوار والتوجيه والتأطير قد تكون أكثر نجاعة من المتابعات القضائية في بعض الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بشباب لا يزالون في بداية حياتهم المهنية والاجتماعية.

    وفي النهاية، فإن حماية الحيوان قيمة حضارية وإنسانية لا خلاف حول أهميتها، لكن الاهتمام بالإنسان يظل كذلك أولوية أساسية، لأن الإنسان الواعي والمسؤول هو القادر على بناء ثقافة تحترم الحيوان والبيئة والمجتمع معاً. ولذلك فإن المقاربة المتوازنة التي تجمع بين التوعية والحوار والمسؤولية القانونية قد تكون الطريق الأمثل لمعالجة مثل هذه القضايا بعيداً عن منطق الصراع والاستقطاب.