يعد التفتيش التربوي إحدى الركائز الأساسية في المنظومة التعليمية، لما يضطلع به من أدوار التأطير والمواكبة والتوجيه وتطوير الأداء المهني لنساء ورجال التعليم. غير أن هذه المهمة النبيلة في مقاصدها ومراميها لا تحقق أهدافها كاملة إلا عندما تمارس في إطار من الاحترام المتبادل و التكامل والشراكة المهنية الحقيقية بين كل المتدخلين فيها.
في الوسط التعليمي عموما ، يثار أحيانا نقاش حول بعض الممارسات الفردية المعزولة التي قد تفهم على أنها نوع من التكبر أو التعالي أو الإحساس بالتفوق الوظيفي والمعرفي من بعض أطر التأطير والمراقبة التربوية. فالعلاقة بين “المفتش” والمعلم ينبغي أن تقوم أساسا على القرب والتواصل والتعاون، لا على منطق السلطة الفوقية أو إصدار الأحكام الجاهزة. فالمعلم الذي يواجه يوميا تحديات متعددة داخل القسم يحتاج إلى الدعم والتوجيه والتحفيز أكثر مما يحتاج إلى لغة الأوامر الصارمة أو المواقف التي قد تقلل من قيمة جهوده وخبرته المهنية وتنقص منه ومن مجهوده ومردوديته بشكل عام.
لكن الإنصاف يقتضي منا التأكيد على أن الساحة التربوية خصوصا هنا بآسفي تزخر هي أيضا بنماذج مشرقة من المؤطرين التربويين الذين جمعوا بين الكفاءة العلمية والتواضع الإنساني والخبرة الميدانية، منهم من ترك أثرا وذكرى طيبة في نفوس كل من تعامل معهم. وقد قادتنا الصدفة انا و عبدالجليل إلى استحضار هذا المعنى الجميل، عندما التقينا في شارع إدريس بناصر بمفتش تربوي متقاعد عرفته الأسرة التعليمية بدماثة خلقه ورصانة فكره وحسن تعامله مع الكل.
كان لقاء عفويا وسط زحمة الشارع و الحياة ، لكنه حمل الكثير من الدلالات. تبادلنا الحديث عن المدرسة المغربية والتحولات التي تعرفها ،وعن أجيال من المعلمين والمتعلمين مروا من الفصول الدراسية، وعن زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية داخل المنظومة التربوية أكثر دفئا وأقل توترا. ولمست من خلال حديثه أن التقاعد قد ينهي المهمة الإدارية، لكنه لا ينهي رسالة المربي ولا حبه الجارف للمهنة والعاملين فيها.
في تلك اللحظات القليلة أدركت أن الفرق بين من يترك المنصب ومن يترك الأثر كبيرا في النفوس ،فالمناصب زائلة بطبيعتها، أما الأخلاق والتواضع وحسن المعاملة فتبقى راسخة في الذاكرة لسنوات طويلة. وكم من مسؤول انتهى حضوره بمجرد مغادرة منصبه، وكم من رجل تربية ظل حاضرا في قلوب الناس بفضل تعامله الراقي و سلوكه الإنساني النبيل.
نجاح التأطير والمراقبة التربوية لا يقاس بعدد الملاحظات المسجلة في التقارير، ولا بمدى الصرامة في التقييم، بل يقاس بقدرة المؤطر على كسب ثقة المعلم ومساعدته على تطوير ممارساته المهنية وتجاوز التعثرات التي قد تصادفه. فالتربية والتعليم في جوهرهما عملية نسبية ، وإنسانية قبل أن تكونا إجراءات إدارية ، تقومان على الحوار والإنصات والتقدير المتبادل بين مختلف الفاعلين.
لعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من بعض رجالات التربية الذين غادروا مواقع المسؤولية أمثال المؤطر الكبير عبدالله اعويدات هو أن الاحترام لا يفرض بالمنصب، بل يكتسب بالتواصل الأفقي وبالأخلاق وحسن المعاملة . لذلك يبقى تعزيز ثقافة التواضع والتعاون والاعتراف المتبادل بين أطر المراقبة التربوية ونساء ورجال التعليم مدخلا أساسيا للارتقاء بالمدرسة العمومية، وخدمة المتعلم الذي يظل الهدف الأسمى لكل الجهود التربوية.
تحية تقدير لكل رجال ونساء التربية الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المدرسة المغربية، وتركوا وراءهم إرثا من المحبة والاحترام قبل أن يتركوا المنصب والمهمة.





إرسال تعليق