كل صيف، تتحول جماعة مولاي عبد الله بإقليم الجديدة إلى وجهة وطنية تستقطب مئات الآلاف من الزوار، بفضل موسم مولاي عبد الله أمغار، أحد أكبر وأشهر المواسم بالمملكة. وعلى امتداد أيام الموسم، تعيش المنطقة حركية اقتصادية وتجارية وسياحية استثنائية، وتحتضن فضاء “المحرك” الذي يشهد أكبر عروض التبوريدة، في مشهد يجسد عمق التراث المغربي وأصالته.
غير أن هذا المشهد، على أهميته، لا يدوم سوى أسبوع واحد في السنة. فبمجرد إسدال الستار على الموسم، يخيم الهدوء على فضاء “المحرك”، وتفقد المنطقة جزءًا كبيرًا من حركيتها، ليبقى واحد من أكبر الفضاءات المخصصة للتبوريدة بالمغرب خارج دائرة الاستغلال لأكثر من خمسين أسبوعًا في السنة.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يمكن أن يتحول هذا الفضاء من منشأة موسمية إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية؟
هذا السؤال لا ينتقص من قيمة الموسم أو من مكانته الدينية والتراثية، بل يفتح باب التفكير في كيفية تثمين البنيات المتوفرة واستثمارها بشكل مستدام. فالتنمية الحديثة تقوم على استغلال الموارد المتاحة وتحويلها إلى مشاريع منتجة، وليس على الاكتفاء باستغلالها خلال مناسبات محدودة.
وتبرز في هذا الإطار أفكار ومبادرات محلية تدعو إلى إعادة توظيف فضاء “المحرك” ليصبح مركزًا دائمًا للفروسية، يحتضن أنشطة رياضية وثقافية وتكوينية، وورشات لتعليم الفروسية، ومعارض للمنتجات المجالية، وملتقيات للشباب، وتظاهرات سياحية تمتد على مدار السنة، بما يضمن استمرارية الحركة الاقتصادية ويخلق فرصًا جديدة للاستثمار والتشغيل.
ولا يقف الأمر عند فضاء “المحرك” وحده، فجماعة مولاي عبد الله تمتلك أيضًا شريطًا ساحليًا غنيًا يمتد على المحيط الأطلسي، ويضم شواطئ تتمتع بمؤهلات طبيعية وسياحية مهمة. ورغم هذه الإمكانيات، فإن جزءًا كبيرًا من هذا الرصيد الساحلي ما يزال يعاني محدودية التجهيزات وضعف التثمين، لتظل الاستفادة منه موسمية، في وقت يمكن أن يتحول فيه إلى فضاء للسياحة الشاطئية، والرياضات البحرية، والاستثمار السياحي، والترفيه البيئي، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي.
إن الجمع بين التراث الذي يمثله موسم مولاي عبد الله، والمؤهلات الطبيعية التي يوفرها الشريط الساحلي، يضع الجماعة أمام فرصة حقيقية لبناء نموذج تنموي متكامل، يقوم على تنويع الأنشطة الاقتصادية وعدم ربطها بفترة زمنية محدودة. فالمجالات التي تمتلك مؤهلات استثنائية مطالبة اليوم بتبني رؤى جديدة تجعل من التراث والثقافة والطبيعة محركات للنمو وخلق الثروة.
لقد أثبتت تجارب عديدة، داخل المغرب وخارجه، أن الاستثمار في التراث والثقافة والسياحة قادر على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي عندما يكون جزءًا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى. ولذلك، فإن فتح نقاش حول مستقبل فضاء “المحرك” والشريط الساحلي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة تنموية تفرضها التحولات الاقتصادية وتطلعات الساكنة إلى مشاريع مستدامة.
إن التنمية لا تُقاس بنجاح حدث موسمي، مهما بلغت أهميته، بل بقدرة المجال الترابي على خلق دينامية اقتصادية واجتماعية متواصلة. وبين فضاء “المحرك” الذي يستعيد نبضه أسبوعًا واحدًا كل سنة، وشريط ساحلي غني بالمؤهلات ينتظر بدوره مشاريع تثمين حقيقية، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية تنموية شاملة تجعل من جماعة مولاي عبد الله فضاءً نابضًا بالحياة في جميع الفصول، لا خلال موسم واحد فقط.
ويبقى السؤال مطروحًا أمام مختلف الفاعلين والمؤسسات: هل آن الأوان للانتقال من منطق التدبير الموسمي إلى منطق الاستثمار المستدام، حتى تتحول جماعة مولاي عبد الله إلى قطب اقتصادي وسياحي وثقافي يستثمر مؤهلاته على مدار السنة، ويجعل من تراثه وطبيعته ثروة حقيقية في خدمة التنمية؟





إرسال تعليق