إذا أراد حزب العدالة والتنمية العودة… فليتوقف عن الحديث عن الحكومة، وليبدأ الحديث عن المغرب

  • الكاتب : عبدالهادي بودى
  • بتاريخ : أغسطس 2, 2026 - 7:39 ص
  • الزيارات : 98
  • في السياسة، لا تكسب الأحزاب الانتخابات لأنها تتقن انتقاد خصومها، وإنما لأنها تنجح في إقناع المواطنين بأنها تحمل مشروعا أفضل للمستقبل.

    هذه حقيقة أثبتتها كل التجارب الديمقراطية.

    اليوم، وبعد سنوات من وجود حزب العدالة والتنمية في المعارضة، لم يعد السؤال الذي يشغل المغاربة: هل أخفقت الحكومة؟ فالإجابة يصوغها المواطن كل يوم وهو يواجه غلاء الأسعار، وصعوبة العيش، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وما يرافق ذلك من شعور متزايد بالقلق على المستقبل.

    السؤال الحقيقي هو: هل استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحول هذه الأزمات إلى مشروع إصلاحي جديد؟

    إن الاقتصار على كشف اختلالات الحكومة لن يعيد الثقة، لأن المواطن لا يبحث فقط عمن يشرح أزمته، بل عمن يرسم له طريق الخروج منها.

    لقد تغير المغرب، وتغير المجتمع، وتغيرت انتظارات الشباب، وتبدلت أولويات الأسر. ولذلك فإن الحزب، إذا أراد أن يستعيد مكانته، مطالب بأن يجدد أدواته وخطابه، وأن ينتقل من خطاب المعارضة إلى خطاب الدولة، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات.

    على المستوى الإقليمي، ينبغي أن يصبح كل مقر للحزب خلية للاستماع إلى المواطنين، ومختبرا للأفكار، وفضاء لإنتاج الحلول. فلا يكفي إصدار البلاغات، بل يجب أن يشعر المواطن بأن الحزب حاضر في قضاياه اليومية، من الشغل والاستثمار إلى الصحة والتعليم والبنيات التحتية ومحاربة لكل اشكال الريع التي تنعم به فءة التماسيح والعفاريت والفراقشية .

    وعلى المستوى الجهوي، يحتاج الحزب إلى قيادة نقاش حقيقي حول العدالة المجالية، والتنمية المتوازنة، واستثمار المؤهلات الاقتصادية لكل جهة، حتى يشعر المواطن بأن الجهوية ليست شعارا دستوريا، بل رافعة للتنمية.

    أما وطنيا، فإن الحزب مطالب بصياغة تعاقد سياسي جديد مع المغاربة، يقوم على محاربة تضارب المصالح، وترسيخ النزاهة، وإصلاح التعليم والصحة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وحماية الطبقة المتوسطة، ودعم الفئات الهشة، وإطلاق اقتصاد يخلق الثروة وفرص الشغل، لا اقتصاد يكتفي بتدبير الأزمات.

    لكن هناك تحديا آخر لا يقل أهمية، وهو تجديد النخب. فالأحزاب التي تكرر الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوسائل نفسها، يصعب عليها إقناع مجتمع يتغير بسرعة. إن فتح الأبواب أمام الكفاءات، والشباب، والنساء، والخبرات الميدانية، ليس ترفا تنظيميا، بل شرط لبناء حزب متجدد.

    كما أن الحزب يحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ينافس بالأفكار لا بالأشخاص، ويقدم البدائل لا الاتهامات، ويجعل مصلحة الوطن فوق كل الحسابات.

    إن السياسة ليست معركة لإثبات من أخطأ، بل مسؤولية لإقناع الناس بمن يستطيع أن ينجح.

    ومن هنا، فإن أكبر هدية يمكن أن يقدمها حزب العدالة والتنمية للمغاربة ليست بيانا جديدا ينتقد الحكومة، وإنما وثيقة سياسية جديدة تجيب بوضوح عن سؤال واحد:

    أي مغرب نريد سنة 2035؟

    عندما يمتلك الحزب جوابا عمليا عن هذا السؤال، مدعوما برؤية واضحة، وكفاءات مؤهلة، وبرامج قابلة للتنفيذ، سيستعيد مكانته الطبيعية في المشهد السياسي، لأن الشعوب لا تلتف حول من يكثر من الشكوى، وإنما حول من يزرع الثقة، ويصنع الأمل، ويقدم الحلول.

    فالمرحلة القادمة لن تكون للأعلى صوتا، بل للأوضح رؤية، والأصدق التزاما، والأقرب إلى المواطن، والأقدر على تحويل الإصلاح من شعار إلى واقع.