ليست مشاهد تدفق الشباب والأسر المغربية نحو سبتة ومليلية المحتلتين مجرد أخبار عابرة أو وقائع موسمية، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية وسياسية تستحق قراءة علمية بعيدة عن التوظيف الحزبي الضيق أو التبرير الإداري. فعندما يخاطر الآلاف بحياتهم للوصول إلى مدينتين محتلتين، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف وصلوا؟ بل: لماذا فقدوا الرغبة في البقاء؟
الهجرة، في علم الاجتماع السياسي، ليست مجرد انتقال جغرافي، وإنما هي تصويت بالأقدام. فعندما يعجز المواطن عن تغيير واقعه عبر المؤسسات والانتخابات والسياسات العمومية، يبحث عن مستقبل خارج المجال الذي فقد فيه الأمل.
لقد تحولت الظاهرة في السنوات الأخيرة من هجرة شبابية إلى هجرة أسر بأكملها، وأصبح من بين المهاجرين أصحاب شهادات، وعمال، ونساء، وحتى أطفال. وهذا التحول يحمل دلالة خطيرة، مفادها أن الأزمة لم تعد أزمة بطالة فقط، بل أزمة ثقة في المستقبل.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، فإن أسباب هذه الظاهرة متشابكة، من أبرزها:
▪︎ ضعف النمو الاقتصادي المنتج لفرص الشغل.
▪︎ اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.
▪︎ تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
▪︎ ضعف جودة الخدمات الصحية والتعليمية في عدد من المناطق.
▪︎ الشعور بتراجع العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
▪︎ فقدان الثقة في قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث تغيير ملموس.
أما من الناحية السياسية، فإن استمرار ضعف الوساطة الحزبية يجعل قطاعات واسعة من المواطنين تشعر بأن الأحزاب لم تعد قادرة على تمثيل تطلعاتهم أو تأطيرهم. وفي الأنظمة الديمقراطية، تعد الأحزاب جسرا بين المجتمع والدولة، لكن عندما يضعف هذا الدور، تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسسات القرار.
وهنا ينبغي التمييز بين النقد السياسي وإطلاق الأحكام العامة؛ فاختزال كل الأحزاب في وصف واحد أو تحميل جهة واحدة مسؤولية ظاهرة معقدة لا ينسجم مع القراءة العلمية. فالهجرة الجماعية نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية وإدارية وسياسية تراكمت عبر سنوات، وتتقاسم مسؤوليتها مؤسسات وسياسات متعددة بدرجات متفاوتة.
كما أن سوء التدبير الإداري، حين يتمثل في ضعف الحكامة، والبيروقراطية، وتأخر إنجاز المشاريع، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، ينعكس مباشرة على ثقة المواطن في الإدارة وفي جدوى الإصلاح.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس عدد المهاجرين، بل الرسالة التي تحملها. فحين يفضل المواطن المخاطرة بحياته على البقاء في وطنه، فإن ذلك يعني أن الأمل في المستقبل أصبح أضعف من الخوف من البحر أو الأسلاك الشائكة.
لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمقاربة الأمنية وحدها، وإنما بإعادة بناء الثقة عبر:
• اقتصاد منتج يوفر فرص عمل حقيقية.
• إدارة فعالة وشفافة.
• أحزاب قوية تؤطر المجتمع وتستعيد مصداقيتها.
• عدالة اجتماعية تقلص الفوارق.
• وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
إن الوطن لا يقاس بعدد من يغادرونه، بل بعدد من يؤمنون بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخله. وعندما تتحول الهجرة الجماعية إلى حلم لآلاف الأسر، فإنها تصبح جرس إنذار يدعو إلى مراجعة السياسات العمومية وتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، والى انتخابات حقيقية وشفافة وديموقراطية حتى يبقى الأمل في الوطن أقوى من إغراء الهجرة.





إرسال تعليق