بين الاعتراف الاجتماعي وتحقيق الذات.. قراءة في سيكولوجية المهاجر غير النظامي

  • بتاريخ : أغسطس 4, 2026 - 6:38 م
  • الزيارات : 46
  • بين الاعتراف الاجتماعي وتحقيق الذات.. قراءة في سيكولوجية المهاجر غير النظامي

     

    بقلم: نورالدين ضية

     

    لا يمكن اختزال الهجرة غير النظامية في كونها مجرد استجابة للفقر أو البطالة، فهي في كثير من الأحيان تعكس مسارا نفسيا واجتماعيا معقداً يتداخل فيه الشعور بالتهميش مع الرغبة في تحقيق الذات وانتزاع الاعتراف الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، أصبحت هذه الظاهرة محور اهتمام العديد من الباحثين في علم الاجتماع وعلم النفس، الذين سعوا إلى تفسير الدوافع العميقة التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم أملا في مستقبل مختلف.

     

    يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الإنسان لا يسعى فقط إلى امتلاك الرأسمال الاقتصادي، بل يبحث أيضا عن الرأسمال الرمزي الذي يمنحه المكانة والاعتراف داخل المجتمع. وفي هذا السياق، قد تتحول الهجرة إلى وسيلة لإعادة بناء الصورة الاجتماعية للفرد، خصوصاً في البيئات التي أصبح فيها النجاح مرتبطا بما يحققه المهاجر من مكاسب مادية أو مكانة اجتماعية بعد مغادرته الوطن.

     

    وتتقاطع هذه الرؤية مع أفكار عالم الاجتماع زيغمونت باومان، الذي اعتبر أن المجتمعات الحديثة تعيش حالة من السيولة وعدم اليقين، ما يدفع الأفراد إلى البحث المستمر عن فضاءات جديدة تمنحهم الإحساس بالأمان والقدرة على تحقيق طموحاتهم. ومن هنا، لا تبدو الهجرة مجرد انتقال جغرافي، بل محاولة لإعادة رسم مسار الحياة واستعادة الثقة في المستقبل.

     

    ومن الجانب النفسي، يوضح الباحث الكندي جون و. بيري (John W. Berry) أن تجربة الهجرة ترتبط بمرحلة معقدة من إعادة تشكيل الهوية والتكيف مع بيئة جديدة، غير أن المهاجر غير النظامي يواجه ضغوطا مضاعفة بسبب هشاشة وضعه القانوني، والخوف من الترحيل، وصعوبة الاندماج، وهي عوامل قد تؤثر في توازنه النفسي وتزيد من شعوره بالعزلة.

     

    كما يقدم المفكر إدوارد سعيد بعداً إنسانيا لهذه التجربة، حين يصف المنفى بأنه حالة يعيش فيها الإنسان بين عالمين؛ فلا ينتمي بالكامل إلى الوطن الذي غادره، ولا يشعر بانتماء كامل إلى المجتمع الذي استقر فيه. ولذلك، فإن تحقيق النجاح المادي لا يعني بالضرورة الوصول إلى الطمأنينة النفسية أو الإحساس بالاكتمال.

     

    وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه نظرة المجتمع في تشكيل هذا المسار. فحين يقاس النجاح الاجتماعي بقدرة الفرد على الهجرة وتحسين وضعه المادي، تتحول الهجرة في أذهان كثير من الشباب إلى رمز للنجاح وإثبات الذات، بينما تتراجع قيمة الإنجاز داخل الوطن. وتسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذه الصورة من خلال إبراز قصص النجاح وإخفاء ما يرافق الهجرة غير النظامية من معاناة واستغلال ومخاطر.

     

    إن سيكولوجية المهاجر غير النظامي تكشف أن الإنسان لا يهاجر بحثا عن مورد مالي فحسب، بل سعيا إلى الاعتراف بوجوده وقيمته داخل المجتمع. ومن ثم، فإن الحد من هذه الظاهرة يمر عبر بناء بيئة تمنح الشباب فرصاً حقيقية للإنجاز والارتقاء الاجتماعي، بحيث يصبح تحقيق الذات ممكنا داخل الوطن، لا رهينا برحلة محفوفة بالمخاطر نحو المجهول.