تمجيد العنف وجعله وسيلة مشروعة لاسكات الخصوم

  • الكاتب : محمد اعويفية
  • بتاريخ : أغسطس 5, 2026 - 8:46 م
  • الزيارات : 45
  • النهضة الدولية بقلم محمد اعويفية

    الوطنية قيمة نبيلة تقاس بصدق الانتماء للوطن، واحترام القانون، والدفاع عن مصالحه بالحجة والعمل والمسؤولية. لكنها تفقد معناها عندما تتحول إلى غطاء لتبرير العنف أو الاحتفاء بالإهانة الجسدية ضد المخالفين أو الخصوم السياسيين.

    التغريدة التي أطلقها المسؤول السياسي لا تكتفي بالتعبير عن موقف سياسي أو وطني، بل تتجاوز ذلك إلى الإشادة بالفعل العنيف، وكأن الاعتداء أصبح وسيلة مشروعة لتهديد الخصوم واسكاتهم .

    كلنا نرفع شعار “الله، الوطن، الملك” والمفترض فينا أن نكون أول من يحترم دولة المؤسسات وسيادة القانون. فالدولة القوية لا تبنى بالأيدي المرفوعة للضرب، وإنما بالعقول القادرة على الحوار وايجاد الحلول لكل القضايا مهما كانت الظروف.

    إن أخطر ما في مثل هذا الخطاب أنه يطبع مع العنف ويجعله سلوكا مقبولا إذا كان موجها ضد من يعارضوننا و نختلف معهم. واليوم قد يكون المستهدف شخصا لا نتفق معه، وغدا قد يصبح أي مواطن ضحية لهذا المنطق . وعندما يتحول الاختلاف إلى مبرر للاعتداء، فإن المجتمع كله يخسر، لأن القانون يستبدل بمنطق القوة .

    الوطنية ليست اختبارا في القدرة على تعنيف الآخرين وإهانتهم ، ولا في التصفيق لمن يفعل ذلك. الوطنية الحقيقية تظهر في احترام الإنسان، وصيانة كرامته، والدفاع عن الوطن ورموزه ضمن إطار القانون والمؤسسات، مهما بلغت حدة الخلافات.
    المجتمعات المتحضرة لا تقيس ولاء أبنائها بعدد الصفعات التي يوجهونها، بل بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم مع الخصوم دون عنف، وبمدى إيمانهم بأن الكلمة أقوى من قبضة اليد، وأن الحجة أبقى من أي فعل انفعالي غير محسوب العواقب، وهذا ما لمسناه في مواقف عديدة للمملكة المغربية خلال 27 سنة من حكم الملك محمد السادس.

    ولذلك، فإن أي خطاب من اي مسؤول سياسي يمجد فيه العنف والاعتداء على الآخرين، مهما كان دافعه أو شعاره، يستحق النقد لأنه يسيء إلى المؤسسات وإلى قيم التعايش، ويختزل الوطنية في ردود فعل غاضبة بدل أن يجعلها مشروعا للأخلاق والمسؤولية واحترام القانون ومقارعة الخصوم بحجة العمل و الفعل التنموي الملموس على أرض الواقع.