قضية الصحراء المغربية .. حين صنعت الدبلوماسية الملكية تحولات غيرت موازين المواقف الدولية .

  • بتاريخ : أغسطس 7, 2026 - 7:14 م
  • الزيارات : 58
  • النهضة الدولية – جريدة الكترونية مستقلة شاملة.
    إعداد : المندوب الوطني والدولي محمد البطاح

    في عالم تحكمه موازين المصالح وتوازنات السياسة الدولية ..
    هناك قضايا تفرضها الجغرافيا ، وأخرى تصنعها السياسة ، غير أن قضية الصحراء المغربية استطاعت ، بفضل رؤية استراتيجية بعيدة المدى ، أن تتحول من نزاع إقليمي طال أمده إلى نموذج دبلوماسي يبرز كيف يمكن للصبر ، والحكمة ، والعمل المتواصل أن يغير مواقف الدول ويعيد رسم خريطة التحالفات الدولية .


    فخلال العقدين الأخيرين ، لم يكتف المغرب  بالدفاع عن عدالة قضيته الوطنية داخل المحافل الدولية ، بل اختار أسلوبا أكثر عمقا وفاعلية ، قوامه بناء الثقة مع الشركاء ، وتعزيز التعاون جنوب – جنوب ، والانفتاح على مختلف القوى الدولية ، مع ربط السياسة الخارجية بالمصالح المشتركة والتنمية والاستقرار . وهي مقاربة أثبتت فعاليتها في وقت أصبحت فيه العلاقات الدولية تبنى على الواقعية والشراكة أكثر من الشعارات والمواقف الإيديولوجية .
    ويقف وراء هذا التحول الكبير ، صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، الذي جعل من قضية الوحدة الترابية البوصلة الثابتة للدبلوماسية المغربية . فمنذ اعتلاء جلالته العرش ، رسخ رؤية واضحة تقوم على أن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يكون بردود الأفعال ، وإنما بالمبادرة ، وبناء الشراكات ، وتعزيز مكانة المغرب كدولة موثوقة تحظى بالاحترام والمصداقية .
    لقد أدركت الدبلوماسية المغربية ، بقيادت جلالته ، أن كسب التأييد الدولي لا يتحقق فقط بإقناع العواصم بعدالة موقف المملكة ، بل أيضا بجعلها شريكا أساسيا في ملفات الأمن ، ومكافحة الإرهاب ، والهجرة ، والتنمية المستدامة ، والاستثمار ، وهو ما منح صوت المغرب ثقلا متزايدا داخل المنتظم الدولي ، وجعل مواقفه تحظى بقدر أكبر من الإنصات والتقدير .
    ولعل توالي المواقف الدولية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يكن وليد ظرف سياسي عابر ، بل جاء نتيجة تراكم دبلوماسي طويل ، قاده جلالة الملك بحكمة وتبصر وثبات ، وواكبته تحركات فعالة لوزارة الشؤون الخارجية ، والسفارات المغربية ، ومختلف المؤسسات الوطنية ، في إطار عمل متكامل يقوم على الحضور المستمر ، والحوار البناء ، والدفاع بالحجة والمنطق عن الحقوق التاريخية والقانونية للمملكة المغربية .
    وقد أسهمت الجولات الملكية في عدد من الدول الإفريقية ، وإطلاق مشاريع التعاون الاقتصادي والإنساني ، في إعادة ترسيخ الحضور المغربي داخل القارة ، وفتح آفاق جديدة للعلاقات مع شركاء ينظرون إلى المغرب باعتباره شريكا للتنمية ، لا مجرد طرف في نزاع سياسي . ومن هنا ، جاءت مواقف العديد من الدول الإفريقية والعربية والأوروبية والأمريكية منسجمة مع هذا التحول ، معبرة عن دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية .
    وفي نفس السياق ، شكل افتتاح القنصليات العامة بمدينة العيون والداخلة محطة دبلوماسية بارزة ، لأنها نقلت الدعم من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى الممارسة العملية ، وأكدت أن الأقاليم الجنوبية أصبحت فضاءا مفتوحا للاستثمار والتعاون الدولي ، بما يعكس الثقة المتزايدة في استقرار هذه الأقاليم ودورها الاقتصادي والاستراتيجي .
    وإلى جانب التحرك الخارجي ، واصل المغرب تنفيذ أوراش تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية ، من خلال مشاريع البنية التحتية ، والطاقات المتجددة ،  والخدمات الاجتماعية،    والموانئ ، والطرق ،  في تجسيد عملي لربط الدفاع عن الوحدة الترابية بالتنمية الشاملة ، وإظهار أن المواطن يظل محور كل السياسات العمومية .
    وفي المقابل ، يبدو أن الخطابات التي يروج لها خصوم الوحدة الترابية فقدت كثيرا من زخمها ، بعدما اصطدمت بواقع دولي جديد يعطي الأولوية للحلول الواقعية ، ويحكم على المبادرات بمدى قابليتها للتطبيق ، لا بحجم الشعارات التي ترافقها ،  لذلك باتت المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحظى بتقدير متزايد باعتبارها أرضية عملية توازن بين الحفاظ على سيادة المملكة والاستجابة لمتطلبات الحل السياسي .
    إن المكاسب التي يحققها المغرب في هذا الملف ليست انتصارا ظرفيا أو نتيجة لتغيرات عابرة في موازين السياسة الدولية ، بل هي ثمرة رؤية ملكية متبصرة ، وعمل دبلوماسي مؤسساتي متواصل ، واستراتيجية وطنية جعلت من المغرب دولة تحظى بالاحترام والثقة داخل مختلف المحافل الدولية .
    واليوم ، ومع كل موقف جديد يصدر عن دولة مؤثرة دعما لمغربية الصحراء ، تتأكد حقيقة مفادها أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بالحفاظ على تحقق من مكتسبات ، بل أصبحت تصنع أخرى جديدة ، في إطار مسار متواصل يعزز مكانة المملكة ، ويرسخ عدالة قضيتها الوطنية ، ويؤكد أن الرؤية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس أثمرت تحولا عميقا في نظرة العالم إلى هذا الملف .
    لقد أثبتت التجربة أن قوة الدول لا تقاس فقط بإمكاناتها الاقتصادية أو العسكرية ، بل أيضا بقدرتها على كسب ثقة المجتمع الدولي ، وصناعة التوافقات ، والدفاع عن مصالحها بالحكمة والواقعية والتبصر . وفي هذا الإطار ، تقدم المملكة اليوم نموذجا لدبلوماسية هادئة وفعالة ، استطاعت أن تجعل من قضية الصحراء عنوانا لنجاح سياسي ودبلوماسي يتعزز سنة  بعد أخرى ، ويؤكد أن المستقبل يسير بثبات نحو مزيد من ترسيخ الاعتراف الدولي المتنامي بمغربية الصحراء .