إلى السيد فوزي لقجع
رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم
الموضوع: من الإنجاز إلى الممارسة – رؤية من أجل مرحلة جديدة لكرة القدم المغربية
السيد الرئيس المحترم،
في البداية، أتقدم إليكم بخالص الشكر والتقدير على المجهودات الكبيرة التي بذلتموها، إلى جانب مختلف المتدخلين، من أجل تطوير كرة القدم الوطنية وتعزيز مكانة المغرب قارياً ودولياً.
لقد حققت كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة قفزة مهمة، سواء من خلال نتائج المنتخبات الوطنية، أو تطوير البنيات التحتية ومراكز التكوين، أو الحضور المغربي داخل المؤسسات الكروية الدولية، وصولًا إلى الثقة التي أصبح يحظى بها بلدنا لاحتضان أكبر الاستحقاقات القارية والعالمية.
وهي مكتسبات نفتخر بها جميعًا، ونعتبر أن المحافظة عليها تقتضي اليوم التفكير في مرحلة جديدة:
مرحلة تنتقل فيها كرة القدم المغربية من قوة الإنجاز والتنظيم إلى قوة الممارسة اليومية والمنافسة والاستدامة.
ومن موقعنا داخل رابطة الجمعيات المساندة للمنتخبات والفرق الرياضية، ومن خلال قربنا من الأندية والجماهير والمدرجات، نتطلع إلى أن تشكل هذه الدينامية فرصة لبناء مشروع متكامل يصل أثره إلى البطولة والنادي واللاعب والشاب والمدرسة والجمهور ومختلف مدن المملكة.
السيد الرئيس،
إن نجاحنا في تنظيم أكبر التظاهرات يجب أن يوازيه طموح مماثل لبناء واحدة من أقوى الممارسات الكروية على المستوى القاري، وقادرة على الاقتراب تدريجيًا من المعايير المعتمدة في الدول المتقدمة كرويًا.
وفي هذا الإطار، نضع بين أيديكم مجموعة من الأفكار والمقترحات التي نعتبرها جديرة بالنقاش.
عدد المباريات… قضية أساسية في تطوير اللاعب
نود أن نسطر بشكل خاص على نقطة نعتبرها محورية، وهي عدد المباريات الرسمية والتنافسية التي يخوضها اللاعب المغربي خلال الموسم.
فمهما بلغت جودة التداريب والتجهيزات ومراكز التكوين، تبقى المباراة الرسمية هي المدرسة الحقيقية للاعب.
نكوّن اللاعب بالتدريب، لكننا نصنعه بالمباريات.
ولهذا نرى ضرورة فتح نقاش تقني عميق حول الرفع من عدد المباريات الرسمية والتنافسية التي يخوضها اللاعب المغربي خلال الموسم، وتقليص فترات الفراغ التنافسي، بما يسمح بالاقتراب من إيقاع المنافسة الموجود في الدول المتقدمة كرويًا، مع مراعاة خصوصيات كرة القدم الوطنية.
فالهدف ليس زيادة عدد المباريات لمجرد الزيادة، وإنما بناء موسم أكثر كثافة وانتظامًا واستمرارية.
ويمكن دراسة مختلف الصيغ الممكنة لذلك، سواء من خلال نظام البطولة، أو المسابقات الوطنية، أو مسابقات موازية تمنح دقائق لعب إضافية، خصوصًا للشباب.
فاللاعب الذي يخوض عددًا أكبر من المباريات عالية التنافسية يكتسب التجربة والجاهزية والقدرة على اتخاذ القرار والتعامل مع الضغط.
وهذا ينعكس في النهاية على مستوى النادي والبطولة والمنتخبات الوطنية.
كما أن ارتفاع عدد المباريات سيدفع الأندية طبيعيًا إلى توسيع قاعدة اللاعبين المشاركين وعدم الاعتماد طوال الموسم على مجموعة محدودة، وهو ما يفتح الباب أمام المواهب الشابة.
ولهذا نقترح أن يصبح عدد المباريات السنوية التي يخوضها اللاعب، وعدد دقائق اللعب التنافسية، خصوصًا بالنسبة للاعبين الشباب، من المؤشرات التي نقيس بها فعالية منظومة التكوين وتطور البطولة الوطنية.
البطولة الوطنية في قلب المشروع
لا يمكن أن نملك منتخبات قوية بشكل مستدام دون بطولة قوية.
نريد بطولة وطنية ذات قيمة رياضية واقتصادية وإعلامية، وبرمجة واضحة ومستقرة يعرف من خلالها النادي واللاعب والجمهور مواعيد المباريات مسبقًا.
بطولة قوية تحتاج كذلك إلى تحكيم في مستوى الطموحات، قائم على الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص والمحاسبة.
كما تحتاج إلى نقل تلفزيوني وإنتاج إعلامي وتسويق احترافي يرفع من قيمة المنتوج الكروي المغربي ويزيد من جاذبيته داخل المغرب وخارجه.
ونعتقد أن البطولة الوطنية يجب ألا ينظر إليها باعتبارها مجرد مسابقة محلية، وإنما باعتبارها المختبر الحقيقي الذي يصنع لاعب المنتخب المغربي ونجم الغد.
من الأكاديمية إلى الفريق الأول
لقد حقق المغرب تقدمًا مهمًا في مجال الأكاديميات ومراكز التكوين.
لكن نجاح أي منظومة للتكوين لا يقاس فقط بعدد المنشآت أو اللاعبين المسجلين فيها.
المعيار الحقيقي هو:
كم لاعبًا وصل من مركز التكوين إلى الفريق الأول؟ وكم دقيقة لعب حصل عليها؟
لا معنى لأن نستثمر سنوات في تكوين لاعب ثم لا يجد أمامه طريقًا نحو المنافسة.
ولهذا فإن زيادة عدد المباريات يجب أن ترتبط بسياسة واضحة لإدماج الشباب، حتى تصبح الأكاديمية امتدادًا حقيقيًا للفريق الأول.
نريد مسابقات منتظمة وقوية للفئات العمرية، وتكوينًا أفضل للمدربين والمكونين والكشافين والأطر الطبية، وربطًا بين التكوين الرياضي والدراسي.
كوّنوا الشباب… وأعطوهم المباريات التي تصنع مستقبلهم.
المدرسة… بداية الممارسة وبداية الجمهور
نرى كذلك أن المدرسة يجب أن تكون أحد المكونات الأساسية لأي مشروع جديد لكرة القدم المغربية.
هناك آلاف الأطفال والمواهب داخل المؤسسات التعليمية، ويمكن للرياضة المدرسية أن تصبح قاعدة حقيقية لتوسيع الممارسة واكتشاف المواهب.
نقترح تقوية البطولات المدرسية، وخلق جسور بينها وبين الأندية والأكاديميات ومراكز التكوين، وتنظيم عمليات منتظمة لاكتشاف المواهب في مختلف مناطق المملكة.
لكن المدرسة لا تصنع اللاعب فقط.
يمكنها أن تساهم أيضًا في صناعة مشجع الغد.
تأطير الجماهير الشابة من الوسط المدرسي
إذا أردنا مدرجًا مغربيًا أفضل وأكثر وعيًا في المستقبل، فعلينا أن نبدأ من المدرسة اليوم.
ونقترح في هذا الإطار التفكير في برامج مشتركة لتأطير الجماهير الشابة داخل المؤسسات التعليمية، بمشاركة الجهات المعنية والأندية والجمعيات المساندة.
برامج تعرف الناشئة بتاريخ كرة القدم الوطنية وأندية مدنهم، وتغرس قيم الروح الرياضية، واحترام المنافس، ونبذ العنف والعنصرية وخطاب الكراهية، والمحافظة على الممتلكات.
ويمكن تنظيم زيارات للملاعب ومراكز التكوين، ولقاءات مع اللاعبين والقدماء والحكام والأطر الرياضية وممثلي الجمعيات المساندة، مع تخصيص بعض المباريات لاستقبال التلاميذ ضمن برامج تربوية مؤطرة.
هدفنا ليس فقط تكوين مشجع يعرف كيف يشجع.
بل تكوين مواطن رياضي واعٍ يحب ناديه، ويحترم منافسه، ويفتخر بمنتخبه وراية بلاده، ويعرف حقوقه وواجباته داخل الملعب وخارجه.
لا نريد كرة قدم بسرعتين
النهضة الكروية التي يعرفها المغرب يجب أن تصل إلى مختلف جهات المملكة.
لا نريد مدنًا تتوفر على منشآت عالمية، ومدنًا أخرى لا تزال تبحث عن ملعب للتداريب أو مركز للتكوين أو أبسط شروط الممارسة.
الموهبة المغربية موجودة في كل مكان.
وقد يكون لاعب المنتخب القادم اليوم في مدرسة بقرية صغيرة، أو في حي بمدينة بعيدة عن المراكز الكروية الكبرى.
لذلك نحتاج، إلى جانب الملاعب الكبرى، إلى ملاعب للقرب، ومراكز للتدريب والتكوين، وتجهيزات رياضية وطبية، وبنيات مدرسية تسمح بالممارسة.
العدالة المجالية الرياضية يجب أن تكون جزءًا من الإرث الذي ستتركه هذه المرحلة.
النادي القوي أساس البطولة القوية
الاحتراف الرياضي يحتاج كذلك إلى أندية مستقرة.
لا يمكن أن نطمح إلى بطولة قوية بينما تدخل بعض الأندية مواسمها تحت ضغط الديون والنزاعات وعدم وضوح الموارد والالتزامات.
نحتاج إلى مواصلة تطوير الحكامة والاستدامة المالية والإدارية للأندية، ومساعدتها على خلق مواردها الخاصة من التسويق، والإشهار، والتذاكر، والمنتجات الرسمية، وحقوق النقل، واستثمار علاماتها ومرافقها وقواعدها الجماهيرية.
فالنادي ليس فريقًا فقط.
إنه مؤسسة رياضية واقتصادية واجتماعية تمثل مدينة وتاريخًا وجمهورًا.
كرة القدم النسوية جزء من المستقبل
إن تطوير قاعدة الممارسة يجب أن يشمل كذلك كرة القدم النسوية.
ما تحقق في هذا المجال يشكل مكسبًا مهمًا، والمطلوب هو مواصلة توسيع قاعدة ممارسة الفتيات، وتطوير المنافسات ومراكز التكوين والأطر التقنية، وخلق مسار واضح يسمح للاعبة بالانتقال من المدرسة إلى النادي ثم إلى أعلى مستويات المنافسة.
المشروع الكروي الوطني يجب أن يفتح أبوابه أمام جميع المواهب.
الجمهور شريك في المنظومة
السيد الرئيس،
لقد أصبحت الجماهير المغربية إحدى أجمل صور كرة القدم الوطنية أمام العالم.
التيفوهات، والألوان، والأهازيج، والإبداع والحضور الجماهيري الاستثنائي جعلت المدرجات المغربية تحظى بتقدير واسع خارج حدود المملكة.
ولهذا نرى أن الوقت مناسب لترسيخ مفهوم جديد:
الجمهور شريك في المشروع الكروي، وليس مجرد متفرج.
ونقترح تطوير آليات للحوار والتشاور مع الجمعيات المساندة وممثلي الجماهير حول المواضيع التي ترتبط مباشرة بالمشجع، ومنها التذاكر، والتنقل، والاستقبال، وتنظيم المدرجات.
نحن مع التنظيم والأمن وتطبيق القانون ومحاربة كل أشكال العنف والتخريب.
وفي الوقت نفسه نريد تنظيمًا يحافظ على روح المدرج وعلى ثقافة التشجيع والإبداع التي أصبحت جزءًا من صورة المغرب الكروية.
المدرج جزء من الملعب
مع تشييد وتأهيل الملاعب، نعتقد أن التفكير في المدرج يجب أن يكون جزءًا من التفكير في المنشأة الرياضية نفسها.
فالمدرج ليس مقاعد وإسمنتًا فقط.
إنه فضاء له ثقافته وهويته وروحه.
وكما يتم التفكير في أفضل الظروف للاعب والإعلامي والمنظم، يجب التفكير في تجربة المشجع منذ اقتناء التذكرة، مرورًا بالنقل والوصول والدخول، ووصولًا إلى التشجيع والخروج من الملعب.
كما تُصمم أرضية الملعب للاعب، يجب أن يُفكر في المدرج لمن يصنع روحه.
تنظيم تنقل الجماهير
كما نرى أهمية وضع تصور أكثر شمولًا لتنقل الجماهير بين المدن.
فالمشجع الذي يقطع مئات الكيلومترات خلف ناديه هو جزء من كرة القدم وجزء من جمال البطولة.
يجب أن تكون هناك رؤية واضحة بخصوص التذاكر المخصصة لجماهير الفريق الزائر، والنقل والاستقبال والدخول والخروج، في إطار تنسيق مسبق بين مختلف الأطراف.
تنظيم تنقل الجماهير لا يعني منعها من مرافقة أنديتها، وإنما جعل هذا التنقل أكثر أمنًا وتنظيمًا وكرامة.
ويمكن لرابطة الجمعيات المساندة أن تساهم في هذا الورش من خلال التأطير والتوعية والتنسيق.
السيد الرئيس… ماذا نريد أن يبقى؟
المغرب مقبل على مواعيد تاريخية.
وسنكون كجماهير في الصفوف الأولى خلف بلدنا ومنتخباتنا لإنجاحها.
لكننا نتطلع إلى أن يكون النجاح الحقيقي هو ما سيبقى بعد انتهاء آخر مباراة وانطفاء أضواء آخر تظاهرة.
نريد أن تبقى:
بطولة أقوى،
وعدد أكبر من المباريات التنافسية،
وأندية أكثر استقرارًا،
وشبابًا يحصلون على دقائق لعب حقيقية،
وتكوينًا يقود إلى الفريق الأول،
ورياضة مدرسية قوية،
وكرة قدم نسوية متطورة،
وعدالة رياضية بين الجهات،
وتحكيمًا ونقلًا تلفزيونيًا في المستوى،
وجمهورًا مؤطرًا ومحترمًا وشريكًا في المنظومة.
نريد أن يأتي العالم إلى المغرب وينبهر بملاعبنا وتنظيمنا وجماهيرنا.
لكن طموحنا الأكبر هو أنه عندما يغادر العالم، نجد أن الممارسة الكروية المغربية أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل هذه التظاهرات.
من الإنجاز إلى الممارسة.
من المنشأة إلى الإنسان.
من تكوين اللاعب إلى منحه فرصة المنافسة.
ومن تنظيم أكبر التظاهرات إلى بناء واحدة من أقوى الممارسات الكروية.
ونحن، في رابطة الجمعيات المساندة للمنتخبات والفرق الرياضية، نضع أنفسنا رهن إشارة الجامعة للمساهمة في كل ورش يتعلق بالجماهير، وتأطير الناشئة، والرياضة المدرسية المرتبطة بثقافة التشجيع، وتنظيم التنقلات، وترسيخ قيم المواطنة والروح الرياضية.
وتفضلوا، السيد الرئيس، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.





إرسال تعليق