قراءة في مسألة الخلاف بين الأستاذ مصطفى الرميد و عبدالاله بنكيران

  • الكاتب : محمد اعويفية
  • بتاريخ : أغسطس 18, 2026 - 12:13 ص
  • الزيارات : 156
  • النهضة الدولية بقلم محمد اعويفية

    قد يبدو الخلاف بين الأستاذ مصطفى الرميد وعبد الإله بنكيران، للوهلة الأولى، مجرد تباين في المواقف أو سوء تفاهم بين رفيقي درب واحد. غير أن القراءة السياسية لخرجات الأستاذ مصطفى الرميد تكشف أن الأمر يتجاوز ما هو شخصي إلى صراع بين رؤيتين مختلفتين لمفهوم السلطة ، و لدور الحزب، ولوظيفة الخطاب السياسي في الدولة عموما.

    بنكيران يمثل اتجاها يقوم على الحشد الشعبي، واستثمار الكاريزما الشخصية من أجل التصادم ، وإبقاء قواعد الحزب في حالة تعبئة مستمرة و دائمة بخطابات وصفت بالشعبوية. هذه المقاربة منحت الحزب حضورا جماهيريا لسنوات، لكنها جعلت شخصية الزعيم تتقدم دائما على الحزب وتطمس كل كوادره الأخرى ، وهذا الأمر مازال ملاحظ لحد الساعة، لدرجة أن النقاش السياسي يدور حول شخص بنكيران وحده وصراعاته الشخصية أكثر مما يدور حول أفكار وتوجهات الحزب وبرامجه.

    في المقابل، يبدو أن الأستاذ مصطفى الرميد، بعد سنوات من العمل داخل مؤسسات الدولة، انتهى إلى قناعة راسخة بأن السياسة لا يمكن أن تبقى رهينة لمنطق التعبئة المستمرة. فالدولة لا تدار بخطابات المهرجانات الشعبوية، ولا بمنطق الأنا ، بل بإدارة مصالح الدولة والحزب معا، وصناعة التعايش والتوافقات، والاعتراف بالاختلاف و بتعقيد موازين القوى .

    لقد أدرك الأستاذ الرميد أن الانتقال من المعارضة إلى الحكم يفرض بقوة مراجعة أدوات العمل السياسي. فاللغة التي تحشد الجماهير قد لا تكون هي نفسها اللغة التي تبني الثقة بين الحزب والمواطنين من جهة وبين المؤسسات من جهة أخرى، والسياسي الذي يرفض مراجعة أدواته قد يتحول من قائد للإصلاح إلى أسير دائم لعباءته و لخطابه السابق وصراعه مع العفريت الذي كان المجهولا وصار له اليوم ظاهرا في كل الخطابات المتكررة.

    من هنا، يمكن فهم ابتعاد الأستاذ الرميد عن نهج بنكيران باعتباره محاولة للانتقال من سياسة الزعامة إلى سياسة الدولة. فهو يبدو أقرب إلى الاعتقاد بأن الأحزاب لا ينبغي أن تختزل في شخص واحد، مهما بلغت شعبيته وتأثيره، لأن الأحزاب التي تبني شرعيتها على الزعيم تجد نفسها في أزمة كلما غاب ذلك الزعيم أو تراجعت قدرته على التأثير في الجماهير .

    كما أن تجربة العدالة والتنمية كشفت أن النجاح الانتخابي وحده لا يكفي لضمان الاستمرار السياسي. فالحزب الذي يعجز عن إنتاج مراجعات داخلية، ويكتفي بتفسير كل تعثر على أنه نتيجة توريطات أو مؤامرات أو استهداف خارجي، يفقد تدريجيا قدرته على تجديد خطابه واستعادة ثقة الرأي العام فيه وفي كوادره.

    ولعل الأستاذ الرميد كان من أوائل من استوعبوا هذه الحقيقة. فبدل الاستمرار في خطاب المظلومية، والاستهداف، اختار أن يوجه النقد إلى الذات، وأن يعترف، بصورة مباشرة ، بأن جزء من الأزمة يعود إلى أخطاء داخلية في إدارة الحزب، وفي طريقة التعامل مع قضايا كبرى حساسة كالتطبيع ، تحرير سوق المحروقات ، ملف التقاعد والتعاقد و كذلك طريقة تعامله مع أطره ومع التحولات السياسية التي عرفها المغرب وآخرها مع قضية الهجرة الجماعية نحو سبتة وانتظاره تقريرا من المؤسسة الملكية لمعرفة الجهات المسؤولة عنها.

    لا يعني كل هذا الكلام أن بنكيران يفتقد إلى الحضور السياسي أو التأثير، لكنه يمثل نمطا من القيادة يعتمد بدرجة كبيرة على قوة الشخصية والمواجهة -إلا مواجهة الأستاذ الرميد الذي لازال يتجنبه لحد الساعة -، بينما يبدو أن الأستاذ الرميد يميل إلى ترسيخ فكرة أن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن مستقبل أي حزب مرهون بقدرته على إنتاج قيادات متعددة، لا بالاعتماد على زعيم واحد خالد.

    اختلاف الأستاذ مصطفى الرميد مع عبد الإله بنكيران لا ينبغي أن يقرأ باعتباره خروجا عن الوفاء له وللحزب، بل باعتباره انتقالا من عقلية الصراع السياسي الدائم إلى عقلية تدبير الدولة.

    قد يكون الأستاذ الرميد قد خسر جزء من رصيد الشعبية داخل محيطه الحزبي، لكنه كسب صورة السياسي ورجل دولة الذي لم يتردد في مراجعة تجربته، حتى عندما كان ثمن تلك المراجعة هو الابتعاد عن أكثر الشخصيات تأثيرا داخل حزب العدالة والتنمية.