نعم، الأمازيغ كانوا موجودين في بلاد المغرب قبل الإسلام، وهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها عاقل، ولا يحتاج المسلم إلى إنكارها حتى يثبت قوة دينه. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ماذا حدث عندما وصل الإسلام إلى بلاد المغرب؟
لقد وجد الأمازيغ في الإسلام دين التوحيد والرحمة والعدل ومكارم الأخلاق، فدخلت أعداد كبيرة منهم فيه، ولم يبق الإسلام شيئًا أجنبيا عن وجدانهم، بل أصبح عبر القرون جزءا عميقا من تاريخهم وهويتهم وحضارتهم. بل إن الأمازيغ أنفسهم كانوا من كبار حَملة الإسلام، ومن العلماء والقادة والمجاهدين الذين أسهموا في بناء الحضارة الإسلامية وفي تاريخ المغرب والأندلس.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند خطاب أحمد عصيد وأمثاله عندما يُستحضر قِدم الأمازيغية على الإسلام والعربية وكأنه حجة على الإسلام أو وسيلة لإثبات أن العربية والإسلام دخيلان على المغرب.
نعم، الأمازيغية أقدم من الإسلام في المغرب، كما أن وجود الإنسان وشعوب كثيرة أقدم من أديان ولغات جاءت بعد ذلك. ولكن ما علاقة الأقدمية بالحق والباطل؟ وما علاقة السبق الزمني بالفضل؟
هل إذا كانت لغة أقدم من لغة أصبحت بذلك أكرم منها؟ وهل إذا كان شعب موجودا قبل وصول دين معين أصبح أفضل من أتباع ذلك الدين؟ وهل التاريخ يُقاس فقط بمن كان موجودا أولا؟
هذا منطق غريب؛ لأن القدم ليس معيارا للحقيقة، ولا الأصل العرقي معيارا للكرامة، ولا اللغة معيارا للتفاضل بين البشر.
والإسلام نفسه لم يطلب من الأمازيغ أن يتخلوا عن كونهم أمازيغ، ولم يقل لهم إن أصلهم عيب، بل جاء ليضع معيارا آخر للتفاضل، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
لاحظوا: شعوبا وقبائل لتعارفوا، لا لتتناحروا، ولا ليتفاخر بعضكم على بعض.
وقال النبي ﷺ: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى».
وهذا هو جوهر القضية.
لذلك يستطيع الإنسان أن يقول بكل اعتزاز:
أنا مغربي، أمازيغي الأصل، مسلم الدين، أعتز بالأمازيغية لغة وثقافة، وأعتز بالعربية لغة القرآن والعلم والحضارة، ولا أرى أي تناقض بين هذه الانتماءات.
بل إن هذا هو الواقع الذي عاشه المغاربة قرونا طويلة. فاخرطو وساهمو في البناء والدعوة والجهاد ودرسو العلوم العربية والاسلامية وغير الاسلامية .فتميز الكثير منهم واصبحو علماء ومراجع وقادة .
فمن يريد الدفاع عن الأمازيغية فليدافع عنها بالعلم، والتعليم، والإبداع، والبحث التاريخي، وحفظ التراث، وإنتاج المعرفة، وليس بتحويلها إلى سلاح ضد الإسلام أو العربية.
ومن يريد الدفاع عن العربية فليدافع عنها بالعلم والعمل والإبداع، لا باحتقار الأمازيغية أو إنكار مكانتها.
أما أن نقول: الأمازيغية أقدم، إذن هي أفضل؛ والأمازيغ أسبق، إذن الإسلام والعربية دخيلان ينبغي التخلص منهما، فهذه قفزة غير منطقية من حقيقة تاريخية إلى نتيجة أيديولوجية لا تلزم منها إطلاقًا.
ثم إن من يتحدث عن الأمازيغ وكأن الإسلام ألغى شخصيتهم، يتجاهل حقيقة تاريخية واضحة: الأمازيغ لم يكونوا مجرد أتباع في التاريخ الإسلامي، بل كانوا فاعلين فيه وصانعي أحداثه، وقامت بينهم دول وعلماء وقادة كان لهم أثر بالغ في المغرب والأندلس.
فأين إذن هذه القطيعة المزعومة بين الأمازيغ والإسلام؟
إن تاريخ المغرب الحقيقي أكثر تعقيدا وثراء من هذه الثنائية المصطنعة: أمازيغي ضد عربي، أو أمازيغي ضد مسلم.
المغربي يستطيع أن يكون أمازيغيا ومسلما في الوقت نفسه، كما يستطيع أن يعتز بلغته الأمازيغية ويقرأ القرآن بالعربية ويعتز بلغة القرآن دون أن يشعر بأنه خان أصله.
بل إن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى الخطاب الذي يصر على هذه المفاضلات هو:
ماذا تريدون أن تصنعوا بالمغربي عندما تجعلونه مضطرا إلى الاختيار بين أمازيغيته وإسلامه، أو بين الأمازيغية والعربية؟
لماذا لا يكون مغربيا أمازيغيا مسلما عربي اللسان في جانب من حياته، أمازيغي اللسان في جانب آخر، وينتمي إلى وطن واحد وتاريخ واحد؟
ثم لماذا الإصرار على استدعاء عصور ما قبل الإسلام وكأنها المرجعية الوحيدة لفهم المغرب المعاصر؟
نحن لا نعيش في العصر الجاهلي، ولا في القرون السابقة للإسلام. نحن أبناء تاريخ تراكمت فيه مراحل متعددة: الأمازيغية، والإسلام، الفارسية والرومية والعربية، والأندلس، والصحراء، وإفريقيا، والمتوسط، والدولة المغربية.
هذه كلها مكونات صنعت المغرب عبر التاريخ.
والغريب أن بعض الخطابات التي ترفع شعار الحداثة والتقدم لا تزال أسيرة سؤال بدائي جدا: من أقدم؟ ومن أحق؟ ومن أفضل؟
أليست الحداثة الحقيقية هي أن يتجاوز الإنسان عقدة العرق والأصل واللغة، وأن يجعل معيار التفاضل هو العلم والأخلاق والعمل والإنجاز؟
أوروبا اليوم تضم شعوبا وقوميات ولغات وأديانا مختلفة، وهي تتجه إلى بناء فضاءات مشتركة، بينما يريد البعض عندنا إعادة فتح جراح الهوية وإقناع المغربي بأن جاره المختلف عنه في اللغة أو الأصل خصم له.
هذا ليس دفاعا عن الأمازيغ، بل إساءة إليهم.
فالأمازيغي لا يحتاج إلى اختلاق عداوة مع الإسلام حتى يثبت عراقة هويته، ولا يحتاج إلى تحقير العربية حتى يعتز بالأمازيغية.
والأمازيغ الذين اعتنقوا الإسلام عبر التاريخ لم يكونوا بلا شخصية ولا بلا كرامة، وإنما اختاروا دينا رأوا فيه الحق، وأسهموا بعد ذلك في حمل رسالته ونشر حضارته.
لذلك أقول لأحمد عصيد ومن يشاركه هذا النوع من الخطاب:
نحن لا ننكر أقدمية الأمازيغ، ولا نخجل من الأمازيغية، ولا نحتاج إلى تزوير التاريخ. ولكننا نرفض أن تتحول هذه الأقدمية إلى عقدة تفوق، وأن تتحول الأمازيغية إلى أداة للطعن في الإسلام أو العربية.
الأمازيغية ليست في حاجة إلى معركة مع الإسلام حتى تبقى، والإسلام ليس في حاجة إلى محو الأمازيغية حتى يبقى.
فالأصل يحترم، واللغة تحترم، والتاريخ يدرس، والدين يحترم، والإنسان يكرم؛ أما التفاضل بالعرق واللغة والأقدمية فقد حسم الإسلام أمره منذ قرون.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فدعوا الخلق للخالق، ودعوا الأمازيغي يعتز بأمازيغيته، والعربي يعتز بعروبته، والمسلم يعتز بإسلامه، والمغربي يعتز بمغربه، ولا تجعلوا من اختلافنا في الأصول واللغات سببا للكراهية، فقد جعل الله الاختلاف للتعارف، لا للتنازع.
والحقيقة التي ينبغي أن نفهمها جميعا هي أن المغرب لم يصنعه مكوّن واحد، وإنما صنعه تراكم تاريخ طويل، وكان الإسلام أحد أعظم مكوناته، وكانت الأمازيغية إحدى أعرق مكوناته، وكانت العربية لغة القرآن والعلم والحضارة الإسلامية التي احتضنها المغرب قرونا طويلة.
فلماذا نهدم ما جمعه التاريخ بأيدينا، ونحاول أن نصنع معركة بين مكونات تستطيع أن تتعايش وتتكامل؟
كن أمازيغيا كما شئت، واعتز بلغتك كما تشاء، ولكن لا تجعل اعتزازك بأصلك ذريعة لانتقاص دين ملايين المغاربة، ولا تجعل تاريخك سيفا على تاريخ أمتك. فالإنسان أكبر من عرقه، والوطن أكبر من لغته، والكرامة لا تورث بالدم، وإنما تبنى بالأخلاق والعلم والعمل.





إرسال تعليق