قنينة الغاز… بين الإصلاح المزعوم والعدالة الغائبة
بقلم: المعطي ولدالمسكين.
ارتفاع أو تحرير سعر قنينة البوطان ليس مجرد خطوة تقنية لتقليص الإنفاق الحكومي كما تُروِّج لذلك الحكومة، بل هو قرار سياسي بامتياز، يحدد بوضوح من يدفع ثمن “الإصلاح الاقتصادي”:
هل هي الفئات الضعيفة التي تعيش على الهامش؟
أم الخزينة العامة التي تموّل الريع والامتيازات والمناصب الوهمية؟
في المغرب، يبدو أن الإصلاح دائمًا يبدأ من جيب المواطن البسيط، بينما تستمر النفقات السخية والامتيازات في القمة دون مساس. فحين ترفع الدولة ثمن قنينة الغاز، فإنها لا ترفع سعر منتوج فقط، بل تضغط على حق أساسي في العيش الكريم، لأن الغاز المنزلي ليس ترفًا، بل ضرورة حياتية، خاصة في القرى والمناطق الفقيرة التي لا تعرف الغاز الطبيعي ولا العدادات الذكية.
من يتحدث عن “تحرير الأسعار” بلغة الاقتصاد، يتجاهل أن هذا “التحرير” في الواقع يستعبد الفقراء، ويحرر الأغنياء من واجب التضامن. فكل زيادة درهمية في قنينة الغاز هي ضريبة غير معلنة، تُفرض يوميًا على الأسر الهشة، في حين لا تطال أثرها سوى الفئات التي لا صوت لها.
أوروبا وأمريكا وكندا… حين يكون الدعم مسألة كرامة لا مزاج
في أوروبا وأمريكا وكندا، لا يُناقش الدعم كعبء، بل كحق اجتماعي. هناك، الدولة تحمي المستهلك من تقلبات السوق، وتتعامل مع الطاقة والغذاء كخدمات أساسية تمس الأمن الاجتماعي، لا كسلع قابلة للمساومة.
حين ترتفع الأسعار في باريس أو تورونتو أو برلين، تُطلق الحكومات برامج دعم فورية، وتقدم تعويضات دقيقة تُودع في الحسابات البنكية خلال أيام، مع شفافية كاملة في الأرقام، ووسائل رقابة مستقلة تضمن ألا يتحول الدعم إلى ريع.
أما في المغرب، فالدعم يُقدَّم كمِنّة سياسية مؤقتة، تُسحب متى شاءت السلطة، وتُعاد تغليفه كل مرة بشعار جديد: “الإصلاح”، “الترشيد”، “إعادة التوازن”، وكلها عبارات تُخفي حقيقة واحدة:
أن المواطن هو من يتحمل عبء الفشل الاقتصادي المزمن.
المقارنة الرقمية: حين تتحدث الأرقام بصمت
الدولة ثمن قارورة الغاز (12 كلغ) متوسط الدخل اليومي للفرد نسبة تكلفة القنينة من الدخل اليومي
المغرب 40 إلى 60 درهم (مدعومة جزئياً) 80–120 درهم 50% إلى 75%
فرنسا ما يعادل 130 درهم 1500 درهم 8% فقط
كندا ما يعادل 150 درهم 1800 درهم أقل من 8%
الولايات المتحدة ما يعادل 120 درهم 1600 درهم 7% تقريباً
في المغرب، أسرة فقيرة تنفق نصف دخلها اليومي تقريبًا لتأمين الغاز الضروري للطهي،
بينما في كندا أو فرنسا، لا يتجاوز الإنفاق على نفس القنينة نسبة فنجان قهوة في مقهى متوسط.
وهنا تكمن الفجوة الحقيقية: ليست في الأرقام، بل في رؤية الدولة لمواطنيها — بين من تُعاملهم كأرقام في ميزانية، ومن تراهم أرواحًا تستحق العيش بكرامة.
العدالة ليست في رفع الدعم… بل في من تتحمل الكلفة
العدالة الاجتماعية لا تتحقق عندما تُرفع الأسعار وتُترك الأسر تواجه مصيرها، بل عندما تتحمل الدولة مسؤوليتها في حماية القدرة الشرائية.
وحتى يتحول “الإصلاح” من شعار إلى واقع، لا بد من:
شفافية في حساب تكلفة الدعم الحقيقي؛
نظام تعويض مباشر وسريع يسبق القرار لا يتبعه؛
وتوزيع عادل للثروات بدل تحميل الفقير مسؤولية اختلالات من صنع السياسات نفسها.
فحين تُترك قارورة الغاز تحترق في يد الفقير، بينما تشتعل الكراسي الوثيرة في يد السياسي، يصبح الإصلاح مجرد اسمٍ جميل لجريمة اجتماعية صامتة.
المعطي ولدالمسكين.





إرسال تعليق