مستقبل المغرب… خيالٌ علمي أم حقيقةُ مرونة؟
بقلم:المعطي ولدالمسكين.
يبدو مستقبل المغرب، اليوم، وكأنه يقف في مفترق طرق بين خيالٍ علمي نرغب جميعاً في رؤيته يتحقق، وحقيقةٍ يومية تختبر مرونة الدولة والمجتمع معاً. فحين نتحدث عن المغرب المستقبل، نتخيل بلداً ذكياً، عادلاً، سريع النمو، يدمج التكنولوجيا في الإدارة، والشفافية في القرار، والعدالة في توزيع الفرص. لكن هذا الطموح الكبير يصطدم بواقعٍ مليء بالتأخر الإداري، والبطء التشريعي، وضعف التواصل المؤسساتي، وتباينات اجتماعية لا تزال عميقة.
الخيال العلمي… المغرب الذي نطمح إليه.
في نسخته المثالية، يتحول المغرب إلى دولة تعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة كبرى، تخفف الضغط على جيوب المواطنين وتخلق استقلالاً استراتيجياً. يصبح التعليم منصة للابتكار وليس أداة للحفظ والانتظار، وتتحول الجامعة إلى مصنع للأفكار بدل كونها محطة عبور نحو البطالة المقنّعة.
يدخل المواطن إلى الإدارة عبر هاتفه فقط. ينهي ملفه في دقائق. يعرف مَن يوقّع قراره وكيف. المؤسسات شفافة، قابلة للمراقبة، ومفتوحة أمام المساءلة. أما الاقتصاد، فيتحول إلى نموذج إنتاجي، لا يعتمد على الريع والخدمات فقط، بل على الصناعة الخضراء، والزراعة الذكية، ورأس المال البشري.
هذا هو الخيال العلمي… لكنه خيال ممكن.
الحقيقة… المغرب الذي نعيشه.
الواقع يكشف عن دولة تتقدم بخطوات متفاوتة، أحياناً بسرعة وأحياناً بتردد. هناك مشاريع كبرى تُستحق الإشادة: الطاقات المتجددة في الجنوب، الموانئ العملاقة، النقل السريع، التحولات الرقمية. لكن في المقابل، لا تزال الإدارة تعيش في زمنين مختلفين؛ جزءٌ حديث يتطور، وجزءٌ ثانٍ ما زال غارقاً في الروتين، والمراسيم القديمة، و”الانتظار غير المبرر.
أما السياسات العمومية، فهي غالباً ما تبدو رهينة لحسابات قصيرة المدى، بينما التحديات بنيوية وتتطلب رؤية طويلة النفس: تعليم فعّال، تشغيل كريم، محاربة حقيقية للامتيازات، وربط المسؤولية بالمساءلة بشكل فعلي وليس فقط كشعار.
مرونة الدولة… خبرة في النجاة أكثر منها في البناء.
المغرب أبان عبر العقود عن قدرة عالية على الصمود، أزمات إقليمية، اقتصادية، اجتماعية… وفي كل مرة ينجح في تفادي الأسوأ. لكن الصمود ليس بديلاً عن الإقلاع. الخطر هنا هو أن تتحول المرونة إلى مجرد قدرة على “تسيير الأزمة” بدل استخدامها كمنصة لإنتاج سياسات جديدة تضمن الاستقرار طويل المدى.
بين الحلم والواقع: ماذا ينقص؟
1. جرأة سياسية حقيقية لكسر دوائر المصالح المغلقة.
2. إصلاح إداري جذري ينقل الموظف من عقلية الرقابة إلى عقلية الخدمة.
3. اقتصاد إنتاجي يحرر الشباب من بطالة الشهادات.
4. استثمار في الإنسان باعتباره الثروة الوطنية الأولى.
5. شفافية مؤسساتية تعيد الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.
مستقبل المغرب… مرونة تبحث عن مشروع.
لسنا أمام مستقبل خيالي مستحيل التحقيق، ولا أمام واقع منزوع الأمل. نحن أمام دولة تملك كل عناصر الإقلاع: موقع استراتيجي، طاقات بشرية، استثمارات ضخمة، واستقرار سياسي. لكن ما ينقص هو وضع هذه العناصر داخل مشروع وطني واضح، عادل، قابل للقياس والمساءلة.
مستقبل المغرب لن يصنعه الخيال وحده، ولن يبنيه الواقع كما هو… بل تبنيه قدرة الدولة على تحويل المرونة إلى رؤية، وتحويل الرؤية إلى خطة، وتحويل الخطة إلى واقع ملموس في حياة الناس.
إنه ليس خيالاً… لكنه أيضاً لم يصبح حقيقة بعد.
المعطي ولدالمسكين.





إرسال تعليق