محمد حربالي
في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة حاضرة المحيط آسفي والفاعلون الاقتصاديون حلولاً جذرية لفك العزلة وتخفيف الاختناق المروري، تبرز إلى الواجهة “سياسة المنع” كخيار أول وفوري لدى بعض السلطات والمدبرين المحليين. وبينما يُفترض أن يكون تقييد حركة المرور إجراءً استثنائياً أو مؤقتاً، أصبحت لافتات “ممنوع المرور” في كثير من المناطق هي الحل الدائم والوحيد، مما يطرح تساؤلات حارقة حول غياب الرؤية التنموية والمشاريع الكبرى للبنية التحتية.
وغالباً ما يتم تبرير منع المرور في مسارات معينة بدواعي “السلامة العامة” أو “ضيق المسالك”، وهو تبرير واقعي في ظاهره، لكنه يخفي خلفه عجزاً عن مواكبة التوسع العمراني والضغط الديموغرافي. إن اللجوء إلى إغلاق الطرق أو تحويل مساراتها دون توفير بدائل مهيكلة (مثل الأنفاق، القناطر، أو توسعة المحاور الرئيسية) يعكس استسهالاً في التدبير، يفضل التخلص من المشكل عوض حله من جذوره.
في حين لا يتوقف أثر “المنع” عند حدود عرقلة حركة السير، بل يمتد ليشكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً. فإغلاق المحاور الحيوية يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل، وضياع الوقت، واختناق أحياء أخرى لم تُصمم لاستيعاب ضغط إضافي. اجتماعيًا، يساهم هذا النهج في تعميق العزلة وتكريس الشعور بالتهميش لدى ساكنة المناطق المتضررة، التي ترى في “المنع” عائقاً أمام تطورها اليومي.
إن الانتقال من منطق “التدبير اليومي للأزمات” إلى منطق “التخطيط الاستراتيجي” يتطلب شجاعة في الاستثمار ورؤية بعيدة المدى. المشاريع الكبرى للبنية التحتية ليست مجرد ترف، بل هي العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية. فالبحث عن تمويلات لبناء منشآت فنية عصرية وخلق ممرات بديلة هو ما يعكس الرغبة الحقيقية في التنمية، أما الاكتفاء بوضع الحواجز الإسمنتية أو العلامات الطارئة، فهو مجرد محاولة لـ”تغطية الشمس بالغربال”.
يحتاج مدبرو الشأن العام اليوم إلى إعادة ترتيب الأولويات؛ فالمواطن لا يبحث عن “تسكين الألم” عبر المنع، بل يطمح إلى سيولة في التنقل تضمن له كرامته وتدعم نشاطه. إن الرهان الحقيقي يكمن في إخراج المشاريع المجمدة من الرفوف، وتعبئة الموارد اللازمة لتحويل “النقاط السوداء” في خريطة المرور إلى محاور تنموية تفتح آفاقاً جديدة للمستقبل.





إرسال تعليق