الموت الرحيم.. قرار صائب أم جريمة بحق الإنسانية؟

  • بتاريخ : مارس 29, 2026 - 1:34 م
  • الزيارات : 2
  • بقلم: مريم مستور

    منذ فجر الرسالة، وضع الإسلام مبدأً راسخًا في نظرته إلى الحياة والموت، يقوم على أن النفس أمانة من الله تعالى، وليست ملكًا مطلقًا للإنسان يتصرف فيها كيف يشاء. لذلك شدد على حرمة قتل النفس، فقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق﴾، كما نهى عن إنهاء الحياة بدافع الألم أو اليأس، لأن الابتلاء سنة من سنن الحياة، والصبر عليه باب للأجر والرحمة. ومن هذا المنطلق، حرّم الإسلام ما يُعرف اليوم بـ”القتل الرحيم”، لأنه يُعدّ تعديًا على حق الله في إنهاء الحياة، حتى وإن كان بدافع الشفقة أو تخفيف المعاناة.
    وفي خضم هذا التأصيل الديني، تعود إلى الواجهة من جديد قضايا “الموت الرحيم”، وهذه المرة عبر ملف معروض على المحكمة العليا في إسبانيا، التي تستعد لحسم جدل قانوني حساس: هل يحق للأب أن يطعن في قرار ابنه البالغ بإنهاء حياته عبر القتل الرحيم؟
    القضية ليست معزولة، بل تأتي امتدادًا لحالات سابقة أثارت جدلًا واسعًا، أبرزها حالة الشابة نواليا كاستيو، التي استغرقت معركتها القضائية أكثر من عام ونصف قبل أن تنتهي بحصولها على القتل الرحيم. وقد حاول والدها آنذاك عرقلة القرار، ما فتح نقاشًا مجتمعيًا حادًا حول حدود تدخل الأسرة في قرارات فردية مصيرية.
    كما تعود القضية الحالية إلى رجل يبلغ من العمر 54 عامًا، يعاني من مضاعفات صحية خطيرة بعد إصابته بعدة جلطات وأزمات قلبية، ما دفعه لطلب إنهاء حياته.
    غير أن والده لم يقف موقف المتفرج، بل لجأ إلى القضاء في محاولة لإيقاف هذا القرار، معتبرًا أن ابنه في وضع هش وأن من واجب الدولة حماية حياته.
    هذه الحالات، وغيرها من الوقائع المشابهة التي بدأت تتكرر في عدد من الدول، تعكس تحوّلًا ملحوظًا في نظرة بعض المجتمعات إلى مفهوم “الحق في الموت”. فبعد أن كان الأمر يُطرح كاستثناء نادر لحالات قصوى، أصبح اليوم يُناقش كخيار مشروع في مواجهة الألم والمعاناة.
    غير أن هذا التوجه يثير مخاوف عميقة، خاصة من زاوية أخلاقية وإنسانية. فهل يمكن أن يتحول القتل الرحيم إلى “حل سريع” لكل من أثقلته الأمراض أو ضاقت به سبل العلاج؟ وماذا عن المرضى الذين يعانون في صمت من هشاشة نفسية أو عزلة اجتماعية، وقد يجدون في هذا الخيار مخرجًا بدل أن يجدوا الرعاية والدعم؟
    إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سن القوانين، بل في الحفاظ على التوازن بين كرامة الإنسان وقيمة الحياة. فالمجتمعات التي تفتح باب الموت الرحيم، مطالبة في المقابل بتعزيز منظومات الرعاية الصحية والنفسية، وضمان ألا يتحول هذا الخيار إلى بديل عن العلاج أو الاحتواء الإنساني.
    وفي النهاية، تبقى هذه القضايا مرآة تعكس صراعًا عميقًا بين القانون والدين، بين الحرية الفردية والمسؤولية الأخلاقية، وبين الألم والأمل. وبين كل هذه التناقضات، يظل السؤال مفتوحًا: هل نختار مرافقة الإنسان في معاناته حتى نهايتها الطبيعية، أم نمنحه طريقًا مختصرًا نحو النهاية؟