النهضة الدولية: نورالدين ضية
يشهد المغرب خلال سنتي 2025 و2026 تسارعا واضحا في وتيرة حضوره الدبلوماسي داخل القارة الإفريقية، في سياق يتسم بتحولات جيوسياسية عميقة وصراع متزايد على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية. هذا الحضور لم يعد يقتصر على منطق الشراكات التقليدية، بل أصبح جزءا من استراتيجية متعددة الأبعاد تمزج بين الاقتصاد والسياسة والقوة الناعمة.
في هذا الإطار، تواصل الرباط تعزيز موقعها داخل الاتحاد الإفريقي عبر مبادرات سياسية وتنموية، حيث وصفت دبلوماسيتها في إفريقيا بأنها واقعية وذكية، قادرة على لعب أدوار توفيقية في عدد من الأزمات القارية . كما أظهرت حصيلة 2025 أن المغرب دخل مرحلة تثبيت نفوذ متعدد الأبعاد، يجمع بين التحرك الدبلوماسي والاستثمار الاقتصادي والانخراط في مشاريع تنموية كبرى .
غير أن أبرز مستجدات 2026 تتجلى في التحولات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، التي تظل محور التحرك الدبلوماسي للمملكة داخل إفريقيا. ففي خطوة لافتة، أعلنت مالي دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مع سحب اعترافها بما يسمى ^الجمهورية الصحراوية^، وهو ما يعكس اتساع دائرة التأييد الإفريقي للموقف المغربي . هذا التطور يعزز موقع المغرب داخل القارة، ويمنحه ورقة استراتيجية في مواجهة خصومه الإقليميين.
اقتصاديًا، يواصل المغرب توسيع حضوره في الأسواق الإفريقية من خلال استثمارات في قطاعات حيوية مثل الفلاحة والأسمدة والطاقة والبنيات التحتية، حيث أبرم اتفاقيات تعاون مع عدة دول، من بينها غانا التي اعتبرت مخطط الحكم الذاتي ،الأساس الواقعي، لحل النزاع، بالتوازي مع شراكات اقتصادية في المجال الفلاحي . هذا التداخل بين الاقتصاد والدبلوماسية يعكس مقاربة ^رابح-رابح^ التي يسوق لها المغرب كبديل عن النماذج التقليدية للتعاون.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا التوسع عن سياق التنافس الحاد داخل القارة، حيث تسعى قوى مثل الجزائر وفرنسا إلى تعزيز نفوذها بوسائل مختلفة منها الاستثمارات في جميع المجالات الحيوية داخل القارة. هذا الواقع يضع الدبلوماسية المغربية أمام تحدي الحفاظ على توازن دقيق بين توسيع نفوذها وتفادي الانزلاق إلى صراعات مباشرة، خاصة في مناطق تعرف هشاشة أمنية وسياسية.
كما يراهن المغرب على أدوات القوة الناعمة، من خلال التكوين الديني والتعاون الثقافي والانفتاح التعليمي، لتعزيز حضوره طويل الأمد في دول الساحل وغرب إفريقيا. غير أن بعض التحليلات تحذر من المبالغة في الطموح، معتبرة أن حجم التحديات الإفريقية وتعقيداتها البنيوية يفرضان على المغرب تدبيرًا حذرًا لإمكاناته حتى لا يتجاوز قدرته على الوفاء بالتزاماته.
في ضوء هذه المعطيات، فأن الدبلوماسية المغربية في إفريقيا سنة 2026 أمام معادلة مركبة: فهي من جهة تحقق اختراقات مهمة وتوسع دائرة شركائها، ومن جهة أخرى تتحرك داخل فضاء تنافسي شديد التعقيد. وبين منطق الشراكة المتوازنة وصراع النفوذ، يظل نجاح هذا التوجه رهينًا بقدرة المغرب على الحفاظ على مصداقيته كشريك تنموي، مع تعزيز موقعه كفاعل إقليمي مؤثر دون الانخراط في استقطابات قد تعصف باستقرار علاقاته داخل القارة.





إرسال تعليق