مصطفى مستقيم معارف
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والتكنولوجية لم يعد الصراع الحقيقي يدور فقط حول الاقتصاد والسياسة بل اصبح يدور ايضا حول وعي الانسان وكيفية توجيه اهتمامه اليومي خاصة لدى فئة الشباب التي تعتبر القوة الاكبر داخل المجتمع فحين يضيع الوقت تضيع معه القدرة على التفكير والمبادرة ويصبح الانسان اكثر قابلية للتأقلم مع واقع لا يختاره بل يتم رسمه له بشكل غير مباشر
اليوم يعيش عدد كبير من الشباب داخل دائرة مغلقة تتكرر كل يوم بين المقاهي وشاشات الهواتف ومواقع التواصل والترفيه السريع حيث تمر الساعات الطويلة في التصفح والمشاهدة والجدال الافتراضي دون اي اثر حقيقي على مستوى المعرفة او تطوير الذات او المشاركة في صناعة التغيير ومع مرور الوقت يتحول هذا النمط الى اسلوب حياة يجعل الشباب منشغلا بالتفاصيل الصغيرة بعيدا عن القضايا الكبرى التي تمس مستقبله وكرامته وفرصه في الحياة
الاخطر في الامر ان هذا الاستنزاف اليومي للوقت لا يحدث دائما بشكل عفوي بل تساهم فيه منظومات كاملة تجعل الترفيه السريع والاستهلاك الرقمي بديلا عن الثقافة والفكر والنقاش الجاد فكلما انشغل الانسان باللهو المؤقت ابتعد اكثر عن طرح الاسئلة المزعجة المتعلقة بالبطالة وتدهور التعليم وضعف الخدمات الصحية وغياب العدالة الاجتماعية
وفي خضم هذا الواقع تبرز بعض المهرجانات والاحتفالات الضخمة التي تتحول احيانا من فضاءات للفن والثقافة الى وسائل لتخفيف الاحتقان الاجتماعي وخلق لحظات مؤقتة من النسيان الجماعي فرغم اهمية الفن ودوره الحضاري فان الاشكال لا يكمن في وجود المهرجانات بل في توقيتها وطريقة توظيفها حين يتم تقديم الفرجة كحل نفسي بديل عن معالجة المشاكل الحقيقية التي يعيشها المواطن.
فالشباب الذي يجد نفسه محاصرا بالبطالة وغلاء المعيشة وانسداد الافق لا يحتاج فقط الى ساعات من الموسيقى والاضواء بل يحتاج قبل ذلك الى احساس حقيقي بالكرامة والفرص والعدالة لان الترفيه مهما كان جميلا يبقى مؤقتا بينما تبقى الازمات اليومية حاضرة في تفاصيل الحياة
لقد اصبح من الضروري اليوم اعادة طرح سؤال الوعي داخل المجتمع كيف يقضي الشباب وقته وماذا يستهلك فكريا ومن المستفيد من تحويله الى مجرد متفرج دائم بدل ان يكون فاعلا ومبدعا ومشاركا في صناعة المستقبل فالمجتمعات لا تتقدم بالهروب الجماعي نحو الترفيه فقط بل تتقدم حين يتحول الوقت الى معرفة وحين تصبح الثقافة اداة لبناء الانسان لا مجرد وسيلة لالهائه لبعض الوقت
ان اخطر ما يمكن ان يحدث لاي مجتمع ليس الفقر وحده بل تعويد الناس على التعايش مع الازمات دون التفكير في تغييرها وعندما يتحول الترفيه الى مخدر يومي يقتل الاسئلة الكبرى يصبح الصمت اخطر من الضجيج وتصبح الحاجة الى وعي حقيقي اكثر استعجالا من اي وقت مضى.





إرسال تعليق