زيارة ملكية مرتقبة إلى باريس.. حين تعود الدبلوماسية المغربية لصياغة التوازنات الكبرى

  • بتاريخ : مايو 22, 2026 - 2:47 م
  • الزيارات : 72
  • تتجه الأنظار إلى الزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى فرنسا، في محطة دبلوماسية تحمل أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي، لتؤشر على ميلاد مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، عنوانها إعادة ترتيب الأولويات وبناء شراكة أكثر توازناً ووضوحاً بين الرباط وباريس.

    فالزيارة المرتقبة لا تأتي في سياق عادي، بل في لحظة إقليمية ودولية دقيقة تشهد تحولات عميقة في موازين النفوذ داخل إفريقيا والفضاء المتوسطي. كما أنها تعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في فرض مقاربة قائمة على الندية واحترام المصالح الاستراتيجية المتبادلة، بعد سنوات من التوتر الصامت الذي طبع العلاقات الثنائية.

    التحول الجاري في الموقف الفرنسي لا يمكن فصله عن التغيرات العميقة التي يشهدها المحيط الإقليمي والدولي. ففرنسا، التي كانت تعتبر نفسها القوة التقليدية الأكثر نفوذاً في إفريقيا الفرنكوفونية، وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة أمام تراجع غير مسبوق في حضورها السياسي والعسكري داخل منطقة الساحل. الانقلابات العسكرية المتتالية، وتصاعد الخطاب المناهض لباريس، وخروج القوات الفرنسية من دول كانت تُعد تاريخياً ضمن مجال نفوذها، كلها عوامل دفعت قصر الإليزيه إلى مراجعة استراتيجيته الإفريقية بالكامل.

    في المقابل، كان المغرب يتحرك بثبات نحو تعزيز حضوره داخل القارة، ليس بمنطق الهيمنة، بل بمنطق الشراكة الاقتصادية والتنموية والدينية والأمنية. ومن خلال سياسة إفريقية هادئة لكنها فعالة، استطاعت الرباط أن تبني شبكة علاقات قوية تمتد من غرب إفريقيا إلى منطقة الساحل، معززة بمشاريع استثمارية ضخمة ومبادرات استراتيجية، أبرزها المبادرة الأطلسية الهادفة إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي. وهنا أدركت باريس أن التعامل مع المغرب لم يعد خياراً دبلوماسياً ثانوياً، بل أصبح ضرورة جيوسياسية لحماية مصالحها وإعادة التموضع داخل إفريقيا.

    لكن العامل الأكثر حسماً في هذا التقارب يبقى ملف الصحراء المغربية. فالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، أعاد رسم قواعد الاشتباك الدبلوماسي مع شركائه الدوليين، واضعاً قضية الصحراء في قلب علاقاته الخارجية. لم يعد مقبولاً بالنسبة للرباط استمرار سياسة الغموض أو الحياد الرمادي، بل أصبح الاعتراف الواضح بمغربية الصحراء معياراً أساسياً لقياس صدقية الشراكات السياسية.

    وقد وجدت فرنسا نفسها مضطرة إلى مراجعة مقاربتها التقليدية تجاه هذا الملف، خاصة بعد التحولات الدولية المتسارعة والمواقف التي عبرت عنها قوى كبرى داعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. لذلك، فإن التقارب الحالي بين الرباط وباريس لا يُقرأ فقط من زاوية تحسين العلاقات الثنائية، بل باعتباره اعترافاً فرنسياً متأخراً بأن المغرب أصبح قوة إقليمية صاعدة تمتلك أوراق ضغط سياسية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها.

    وفي هذا السياق، برز دور الدبلوماسية الموازية والمجتمع المدني المغربي بالخارج، خاصة داخل فرنسا ، حيث تنشط عدة هيئات وجمعيات في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة والتعريف بمستجدات قضية الصحراء المغربية داخل الفضاء الأوروبي. ومن بين أبرز هذه الفعاليات “مؤسسة جمع شمل الصحراويين المغاربة في العالم” بكل من فرنسا ، اسبانيا ، ايطاليا وبلجيكا التي تعمل على تأطير الجالية الصحراوية المغربية وتنظيم لقاءات وندوات تواصلية للتعريف بمبادرة الحكم الذاتي والدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة. كما تساهم المؤسسة في بناء جسور التواصل بين الفاعلين المدنيين والإعلاميين الفرنسيين ونظرائهم المغاربة، بما يعكس تنامي حضور الدبلوماسية المدنية المغربية في مواكبة التحولات التي تعرفها العلاقات بين الرباط وباريس.

    ولا يمكن فصل هذا التقارب أيضاً عن التحول في نظرة أوروبا إلى المغرب باعتباره شريكاً محورياً في قضايا الأمن والهجرة والطاقة. ففي ظل الاضطرابات المتزايدة على الحدود الجنوبية لأوروبا، أصبح المغرب يمثل بالنسبة للعواصم الأوروبية، وعلى رأسها باريس، نقطة ارتكاز أساسية لضمان الاستقرار الإقليمي وضبط تدفقات الهجرة غير النظامية وتأمين الممرات البحرية الحيوية.

    كما أن الدبلوماسية الملكية الهادئة لعبت دوراً محورياً في إعادة ضبط العلاقة مع فرنسا. فالمغرب اختار خلال سنوات التوتر عدم الانجرار نحو التصعيد الإعلامي أو السياسي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على وضوح مواقفه وثوابته الاستراتيجية. هذا النهج القائم على الصبر السياسي والتدرج الدبلوماسي منح الرباط موقع قوة، وجعل باريس تدرك أن استعادة الثقة لا يمكن أن تتم إلا عبر مراجعة حقيقية لمقاربتها تجاه المصالح المغربية العليا.

    اقتصادياً، تبدو فرنسا حريصة على عدم خسارة موقعها داخل السوق المغربية التي تتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر المنصات الاستثمارية جذباً في إفريقيا والمتوسط. فمع اقتراب تنظيم كأس العالم 2030، وإطلاق مشاريع ضخمة في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والصناعة، تسارع كبريات القوى الاقتصادية العالمية إلى تعزيز حضورها داخل المملكة. مشاريع القطار فائق السرعة نحو مراكش وأكادير، وميناء الناظور غرب المتوسط، والتوسع الصناعي في قطاع السيارات والطيران والطاقات المتجددة، كلها ملفات تجعل المغرب اليوم ورشة استراتيجية مفتوحة تتنافس عليها الشركات الدولية.

    وتدرك باريس جيداً أن أي تأخر في استعادة دفء العلاقة مع الرباط قد يفتح المجال أكثر أمام منافسين دوليين آخرين، سواء من الولايات المتحدة أو الصين أو حتى بعض القوى الخليجية التي أصبحت تستثمر بقوة في السوق المغربية والإفريقية. فالمغرب لم يعد يعتمد على شريك واحد، بل بات يعتمد سياسة تنويع التحالفات الاقتصادية والدبلوماسية، وهو ما عزز استقلالية قراره الاستراتيجي.

    أما البعد الأمني، فيمثل أحد أكثر عناصر الشراكة حساسية وأهمية. ففي ظل التهديدات المتزايدة المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، أصبح المغرب شريكاً أمنياً محورياً بالنسبة لأوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً. وتراهن باريس على الخبرة الأمنية المغربية، وعلى الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي تتمتع به المملكة، باعتباره صمام أمان ضرورياً للضفة الجنوبية للمتوسط.

    وفي العمق، تبدو الزيارة الملكية المرتقبة إلى باريس أشبه بإعلان سياسي عن مرحلة جديدة تعيد رسم طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية وفق توازنات أكثر وضوحاً. مرحلة تُدار فيها المصالح بلغة الاحترام المتبادل، وتُبنى فيها الشراكات على أساس الاعتراف بالمكانة الإقليمية الجديدة للمغرب، باعتباره قوة صاعدة استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تتحول إلى فاعل محوري داخل إفريقيا والفضاء المتوسطي.