أكره عيد الشواء
بقلم د. منير الطاهري
أكره عيد الشواء، ليس لأنني نباتي ولكن لأنني لم أعد أرى فيه عيدا بقدر ما أراه موسما سنويا للضغط النفسي والجشع الجماعي والفصام الاجتماعي لا سيما أمام تنامي التضخم وانهيار القدرة الشرائية للمغاربة واشتعال الأسعار ، أكره “العيد الكبير” لأنه عيد الأعباء والفوضى والأوساخ والضجيج والكانيباليزم، عيد من الطقوس الغابرة المسماة قرابين وأضحيات التقرب من الله من خلال شعيرة النحر.
في كل سنة يأتي فيها هذا العيد، أجدنفسي أعيد طرح نفس الأسئلة: هل نحن فعلا قوة صاعدة في القرن الواحد والعشرين برهانات تتحدث عن الاندماج الاقتصادي العالمي وعن المونديال وعن الانتقال الديمقراطي وعن النموذج التنموي وعن بناء أقوى تجربة استقرار سياسي في العالم العربي والإسلامي وعن آفاق ممكنة للمواطنة والمدنية والكرامة في إطار دولة عصرية مؤسساتية ومتجددة… هل يمكننا ان نحلم بذلك، بينما ما زلنا نخاف من فتح نقاش عقلاني وهادئ حول ضرورة التمسك بشعيرة النحر في سياق اجتماعي واقتصادي متغير.
أكره عيد الشواء لأنهم لا يذبحون فيه فقط الأكباش، بل يذبحون معه راحة أربعين مليون مغربي جزء كبير منهم لا يملك ثمن الأضحية ويدخل في دوامة من الديون، عيد يجعل الطبقة المتوسطة تعيش بنفسها ضغطا مرعبا ويغرق المجتمع ككل في سكيزوفرينيا جماعية حقيقية
و من قلب هذا الاختناق خرجت ردات فعل اجتماعية صامتة ومقلقة عبر وسائط التواصل الاجتماعي تطالب المغاربة بالامتناع عن النحر هاته السنة عبر شعار خليه يبعبع والذي لم يكن مجرد موجة استنكار اجتماعي بقدر ما كان لحظة وعي جماعي ضد جشع الشناقة ولوبيات المضاربة والمازوط والاحتكار، الشعار كان رسالة واضحة تقول إن المغاربة تعبوا من تحويل الدين والعادات إلى سوق سنوية للابتزاز العاطفي والاقتصادي.
فهل فعلا لا نملك الجرأة للاجتهاد لرفع حرج شعيرة النحر عن الناس واعتبار ذلك من صميم مقاصد الدين؟ أليست الرحمة أولى من الضغط الاجتماعي؟ وهل يعقل أن بلدا بحجم المغرب، بكل مؤسساته الدينية والعلمية والسياسية، عاجز عن التفكير في تطوير شكل العيد بما ينسجم مع واقع الناس؟
وهل يمكن لأمير المؤمنين أن يفك شفرة هذا الخلل ويخاطب شعبه ليس لإلغاء الشعيرة في سنوات الجفاف وفقط وإنما لتحويلها لطقس ديني غير مرتبط بالتضحية والنحر بالضرورة؟ وهل يمكن للمجلس العلمي الأعلى أن يفتح باب اجتهاد جماعي مسؤول يرفع عن الناس وزر الشعور بالإجبار الاجتماعي، ويحافظ على روح العيد دون تحويله إلى موسم للديون والانكسار النفسي ومظاهر مجتمعية خارج زمن الحداثة والمعاصرة؟
ربما حان الوقت للتفكير تدريجيا في ترسيم عيد مختلف في السلوك المجتمعي وبإرادة من الدولة لأجل عيد للشواء بلا دبح أو سلخ وعيد للقاءات العائلية والتضامن والفرح والأهم من ذلك عيد توفر فيه الدولة كميات هائلة من اللحوم بدل الأضحيات وبدعم كريم للطبقات الفقيرة والمعوزة، دون هذا الضغط الهائل المرتبط بالأضحية والحاجة للدبح وممارسة بهرجة مجتمعية من التباهي بشكل الخروف ووزنه وحجمه، نحن نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى عيدا مغربيا للفرح والتآخي عيد يقطع الطريق على الشناقة والمضاربين، ويحفظ كرامة الناس، ويعيد للاحتفال معناه الإنساني بدل تحويله إلى استعراض طبقي كبير.
أكره عيد الشواء… لأنني لم أعد أرى فيه فرحة حقيقية، بل صورة لوطن متعب ينوء بأحماله الاجتماعية أمام عجز مثقفيه ونخبه السياسية وكذا بسبب جشع كبير لطبقة اقتصادية ريعية فرقوشية لا تخجل من أن تجعل من العيد محطة سنوية لتمزيق أواصر الجوار في الحارات وتزيد من احتدام التوتر الاجتماعي
أكره عيد الشواء….لأنه ليس عيدا للشواء والاحتفال بالمعنى الإنساني والأخلاقي مادام المشويون الحقيقيون هم الفئات الواسعة من البسطاء المحرومون من أكل اللحم بشكل منتظم طيلة السنة…. أكره هذا العيد واستسمحكم عن مروري المزعج لحظة هذا العيد
منير الطاهري