بقلم: جميلة غطاس
في رحلة الحياة الطويلة، ينشغل الإنسان بجمع المال، والسعي وراء المناصب، والتفاخر بما يملك من جاه أو نسب أو سلطة، حتى يظن البعض أن الدنيا خُلقت لتدوم، وأن ما بين أيديهم باقٍ لا يزول.
لكن الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان، أن النهاية واحدة، وأن الطريق الذي يسلكه الجميع ينتهي إلى مكان لا مكان فيه للألقاب ولا للمظاهر ولا للحسابات الدنيوية.
تحت التراب تختفي الفوارق، وتسقط الامتيازات، وتذوب المسافات بين الغني والفقير، وبين صاحب النفوذ والبسيط، فلا يبقى من الإنسان سوى عمله وأثره الطيب وما قدمته يداه من خير في حياته.
أين الجمال الذي كان يلفت الأنظار؟ وأين المال الذي كانت تحرسه الخزائن؟ وأين المناصب التي كانت تفتح الأبواب؟ وأين الأسماء التي كانت تملأ المجالس؟ كلها تصبح جزءاً من ذاكرة عابرة، بينما يبقى العمل الصالح شاهداً لا يغادر صاحبه.
كم من إنسان كان يحمل أحلاماً كبيرة وطموحات واسعة، ويمشي بين الناس معتزاً بقوته أو مكانته أو مكانة أسرته، ثم أصبح اليوم قصة ترويها الأيام وعبرة يقرؤها الأحياء في صمت القبور.
إن الجماجم الصامتة والعظام التي غطتها الأرض تروي للبشرية أعظم درس دون أن تنطق بكلمة؛ درساً مفاده أن الدنيا محطة عبور وليست دار قرار، وأن ما يبقى للإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه، بل ما زرعه من خير ومحبة وإحسان بين الناس.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه المرء خلفه هو دعوة صادقة من قلب محب، أو صدقة جارية، أو علم نافع، أو أثر طيب يظل حاضراً في ذاكرة الناس بعد غيابه.
إن التأمل في النهاية المحتومة ليس دعوة للخوف بقدر ما هو دعوة لمراجعة النفس وإعادة ترتيب الأولويات، والعمل من أجل يوم لا تنفع فيه الأموال ولا المناصب ولا الألقاب، وإنما ينفع القلب السليم والعمل الصالح.
فطوبى لمن جعل من أيامه زاداً لآخرته، ومن أعماله جسراً إلى رضوان الله، ومن أخلاقه إرثاً طيباً يبقى بعد رحيله.
اللهم أحسن خاتمتنا، وارزقنا حسن العمل، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك، واجعل لنا من الذكر الطيب والأثر الحسن ما يبقى بعد انقضاء العمر ورحيل الأجساد.





إرسال تعليق