سألوني عن الانتخابات… فأجبت: عندما تصمت المبادئ ويتكلم الطمع

  • الكاتب : مصطفى التاقي
  • بتاريخ : يوليو 26, 2026 - 12:52 م
  • الزيارات : 39
  • سألوني عن الانتخابات، ولم أجد أصدق من اللغة الرمزية لأصف واقعًا أصبح يثقل كاهل المواطن أكثر مما يمنحه الأمل، فقلت:

    رأيتُ الحمام لا يطير، والجرار لا يسير، والمصباح لا ينير، والميزان أمره عسير، والكتاب في الجهل أسير، والوردة داستها حوافر الحمير، والسنبلة طلقت القمح والشعير.

    ليست هذه مجرد كلمات، بل صورة تختزل مشهدًا سياسيًا تتداخل فيه الشعارات مع المصالح، وتتصارع فيه الوعود مع الواقع، حتى بات المواطن عاجزًا عن التمييز بين من جاء لخدمته ومن جاء ليستثمر في صوته.

    في كل موسم انتخابي، تتحول الساحات إلى مسارح للوعود، وتُرفع الشعارات الكبيرة عن الإصلاح والعدالة والتنمية ومحاربة الفساد. تُصافح الأيدي، وتُلتقط الصور، وتُطرق الأبواب التي ظلت مغلقة لسنوات. فجأة يصبح الفقير محور الخطابات، والشباب أولوية، والمرأة شريكًا، والعالم القروي في قلب البرامج، لكن ما إن تُغلق صناديق الاقتراع حتى يبدأ فصل آخر، تُنسى فيه الوعود، ويُترك المواطن وحيدًا في مواجهة واقع لم يتغير إلا نحو مزيد من المعاناة.

    لقد أصبح الضمير في كثير من الأحيان ضحية للمصالح الضيقة، وتحول الوفاء إلى عملة نادرة، بينما صار الانتماء الحقيقي للوطن يتراجع أمام حسابات الربح والخسارة. أما الإصلاح، فقد أصبح عند البعض مجرد كلمة جميلة تُزين البرامج الانتخابية، لكنها سرعان ما تختفي عندما تبدأ مرحلة اقتسام المناصب والامتيازات.

    المؤلم ليس اختلاف الأحزاب، فالاختلاف سنة ديمقراطية، وإنما المؤلم أن تتشابه الممارسات، وأن تتكرر الوعود نفسها، وأن يبقى المواطن ينتظر النتائج ذاتها. عندها يفقد الشارع ثقته، وتصبح المشاركة السياسية بالنسبة للكثيرين فعلًا بلا جدوى، لأنهم لا يرون أثرًا ملموسًا لما يُقال على المنصات.

    الله يجيب التيسير… لأنني أعرف ما الذي سيتغير بعد الانتخابات. ستتغير السيارات، وستكبر المكاتب، وستتوسع الامتيازات، وستتبدل العناوين، بينما سيبقى الفقير يحمل همَّ لقمة العيش، ويحسب الأيام على أمل أن يجد من يشعر بوجعه، لا من يتذكره فقط عندما يحتاج إلى صوته.

    اشربوا دموع الفقير، فهي على ما يبدو ألذ من العصير. ليست عبارة للتهكم فقط، بل صرخة في وجه كل من اعتقد أن معاناة الناس مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة. فالسلطة ليست غاية، وإنما أمانة، ومن لا يشعر بآلام المواطنين لا يستحق أن يتحدث باسمهم.

    ويبقى السؤال الذي يلاحق الضمير قبل أن يلاحق السياسيين: أين هو الضمير؟ هل مات تحت ركام المصالح؟ أم أنه اختار الصمت بعدما رأى المبادئ تُباع وتُشترى؟ إن الأمم لا تنهار بسبب قلة الإمكانيات، بل عندما يصبح الصدق استثناء، والأمانة عبئًا، والوفاء قيمة من الماضي.

    ومع ذلك، فإن الأمل لا ينبغي أن يموت. فالديمقراطية لا تُختزل في يوم الاقتراع، بل تبدأ منه. والناخب الواعي هو الضامن الحقيقي للتغيير، لأنه يملك الكلمة التي قد تصنع مستقبلًا أفضل إذا منحها لمن يستحقها بصدق وكفاءة ونزاهة.

    إن الوطن أكبر من كل الحسابات الحزبية، وأسمى من كل المصالح الشخصية، والسياسة في جوهرها رسالة نبيلة، لا تجارة موسمية، ولا وسيلة للإثراء، ولا جسرًا نحو الامتيازات. ومن أراد أن يحمل ثقة المواطنين، فعليه أن يحمل أولًا همومهم، وأن يدرك أن الكرسي زائل، أما التاريخ فلا ينسى، والشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى من خذلها.

    وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقًا في ضمير كل من يطلب ثقة المواطنين:

    هل جئتم لخدمة الشعب… أم لخدمة أنفسكم؟

    مصطفى التاقي
    جريدة النهضة الدولية