بقلم :مريم مستور
يستيقظ المغاربة كل صباح على مشاهد موجعة هزّت الضمير الوطني، بعدما تحولت مدينة الفنيدق إلى مسرح لمحاولات عبور جماعية نحو مدينة سبتة. آلاف الشباب، ومعهم فتيات في مقتبل العمر، وحتى أسر تحمل أطفالها، خاطروا بحياتهم في مياه البحر الباردة، مستغلين الضباب الكثيف، بحثاً عن الضفة الأخرى.
لم تكن تلك المشاهد مجرد محاولة هجرة غير نظامية، بل كانت رسالة صامتة تختزل حجم اليأس الذي يسكن شريحة واسعة من الشباب، ممن فقدوا الثقة في قدرتهم على بناء مستقبل كريم داخل وطنهم. فالذين ألقوا بأنفسهم في البحر لم يكونوا يبحثون عن مغامرة، بل كانوا يهربون من واقع يرونه أكثر قسوة من الأمواج، وأكثر برودة من مياه البحر.
وتكتسب هذه الأحداث دلالة خاصة لأنها جاءت بعد ساعات فقط من الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش، الذي أكد فيه جلالة الملك محمد السادس أن ثمار التنمية ينبغي أن تصل إلى جميع المواطنين، وأن التنمية الاقتصادية لا تكتمل إذا لم تنعكس على تحسين ظروف عيش الناس، مع التشديد على ضرورة تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإيلاء الشباب أولوية في السياسات العمومية.
غير أن ما عاشته الفنيدق يعيد طرح سؤال مؤلم: كيف يمكن لشباب وطن يحقق مشاريع كبرى، ويستعد لاستحقاقات دولية، ويقدم نفسه كنموذج للاستقرار والتنمية، أن يرى خلاصه في سباحة تمتد كيلومترات وسط ظلام البحر؟
لقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة شابة من مدينة العرائش، وهي ترفع علامة النصر بعد وصولها إلى سبتة سباحة. صورة احتفى بها كثيرون باعتبارها رمزاً للنجاة، لكنها في حقيقتها تعكس مفارقة قاسية؛ فإشارة النصر لم تكن احتفالاً بالنجاح، بل كانت تعبيراً عن النجاة من الموت بعد رحلة محفوفة بالمخاطر.
لكن خلف تلك الصورة التي تصدرت الشاشات، كانت هناك عشرات الأسر التي تعيش ساعات من الرعب، تبحث عن أبنائها المفقودين، وتنتظر اتصالاً يبدد الخوف أو خبراً ينهي انتظاراً قاتلاً. أمهات يقفن على الشواطئ بين الأمل واليأس، وآباء يراقبون هواتفهم في صمت، لا يعلمون إن كان أبناؤهم قد بلغوا اليابسة أم ابتلعتهم الأمواج.
هذه هي الصورة الأخرى التي لا تصل إلى عدسات الكاميرات، لكنها الأكثر وجعاً.
وتزداد هذه المأساة تعقيداً في مدن الشمال التي تأثرت اقتصادياً خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إغلاق معبر باب سبتة أمام أنشطة التهريب المعيشي، وهو ما انعكس على مصادر رزق آلاف الأسر. ورغم إطلاق عدد من المشاريع التنموية، لا يزال كثير من الشباب يشعرون بأن فرص الشغل والاستثمار لا ترقى إلى حجم التحديات التي تواجههم، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى اعتبار الهجرة، رغم مخاطرها، خياراً أقل قسوة من الانتظار.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال ما شهدته مناطق أخرى، مثل الريف وجرادة، حيث خرجت احتجاجات اجتماعية طالبت بالشغل والتنمية والخدمات الأساسية. ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك يظل هو مطالبة فئات واسعة من الشباب بفرص تحفظ الكرامة وتمنحهم أملاً في المستقبل.
وفي المقابل، ينشغل جزء من النقاش السياسي، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بالحسابات الحزبية والتحالفات والوعود، بينما ينتظر المواطن مشاريع اقتصادية حقيقية، واستثمارات منتجة، وفرص عمل تجعل البقاء في الوطن خياراً ممكناً، لا مجرد أمنية.
إن البحر لا ينبغي أن يتحول إلى مكتب التشغيل الوحيد المفتوح أمام الشباب، ولا إلى بوابة يختبرون فيها حقهم في الحياة. فالوطن لا يقاس فقط بحجم الأوراش الكبرى أو الأرقام الاقتصادية، بل أيضاً بقدرته على الاحتفاظ بأبنائه، وإقناعهم بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى فوق أرضه، لا في الضفة الأخرى.
ما حدث في الفنيدق ليس مجرد خبر عابر، بل ناقوس إنذار يستحق التوقف والتأمل. إنه دعوة إلى فتح نقاش وطني مسؤول حول أسباب هذا النزيف، وحول السبل الكفيلة بتحويل الأمل الذي حمله الخطاب الملكي إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فرحم الله كل من فقد حياته في عرض البحر، وفك كرب الأسر التي لا تزال تبحث عن أبنائها، وحفظ الله شباب المغرب، وجعل مستقبلهم في وطنهم أكثر أمناً وكرامة وأملاً من أي رحلة مجهولة فوق أمواج البحر.





إرسال تعليق