سبتة المحتلة ليست الحكاية بل المرآة التي كشفت الحقيقة

  • بتاريخ : يوليو 31, 2026 - 8:14 ص
  • الزيارات : 21
  • بقلم // رشيد اكوراي

    ليست المشكلة في أمواج البحر، ولا في الأسلاك الشائكة، ولا في مدينة سبتة المحتلة.
    فهذه كلها مجرد مسرح ظهرت فوقه أزمة أعمق بكثير: أزمة ثقة بين جزء من الشباب ومؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمتهم.
    كلما شاهدنا شباباً يلقون بأنفسهم في البحر، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف وصلوا إلى هناك؟ بل: من أوصلهم إلى هذه القناعة بأن الموت أو المجهول أهون من البقاء (حي و ميت) ؟
    لا أحد ينكر أن المملكة المغربية حققت خلال السنوات الأخيرة إنجازات كبرى في الدبلوماسية والاقتصاد والبنيات التحتية، وأصبحت تحظى بثقة متزايدة لدى المستثمرين والشركاء الدوليين. لكن في المقابل، يظل السؤال المشروع: هل انعكست هذه النجاحات بالقدر الكافي على واقع كل المواطنين، ولا سيما الشباب في المناطق الهشة؟
    ومن جهة أخرى، لا يمكن استبعاد احتمال استغلال بعض الجهات الخارجية لحالات الاحتقان الاجتماعي أو اليأس أو حملات التضليل عبر الفضاء الرقمي لتشجيع محاولات الهجرة غير النظامية أو توظيفها سياسياً وإعلامياً، إذا ثبت ذلك بالأدلة. غير أن نجاح أي تحريض لا يرتبط فقط بوجود من يحرض، بل أيضاً بوجود بيئة داخلية تجعل بعض الشباب أكثر قابلية للتأثر بهذه الدعوات.
    وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
    أين ذهبت الوعود الانتخابية التي رفعت شعارات التشغيل والكرامة والتنمية؟
    كم مشروع أُعلن عنه ثم اختفى دون تقييم أو محاسبة؟
    كم مجلس منتخب تحدث عن التنمية، بينما بقيت أحياء كاملة تعاني البطالة والهشاشة وضعف الخدمات؟
    وكم مسؤولاً تحمّل فعلاً مسؤوليته السياسية أو القانونية عن الإخفاقات التي مست حياة المواطنين؟
    إن الدستور المغربي لم يجعل المسؤولية امتيازاً، بل مقرونه بالمحاسبة. والحكامة الجيدة ليست شعاراً انتخابياً، بل التزاماً دستورياً وأخلاقياً وقانونياً.
    إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس وجود خصوم في الخارج، بل أن يجد هؤلاء الخصوم ثغرات في الداخل ينفذون منها. فعندما تتراجع الثقة، وتضعف العدالة المجالية، وتغيب النجاعة في تدبير الشأن العام، يصبح الإحباط بيئة خصبة لكل خطاب تضليل أو تحريض.
    إن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط بحراسة الحدود، بل أيضاً بمحاربة الفساد، وترسيخ الشفافية، وحسن تدبير المال العام، وتوفير فرص حقيقية للشباب، وتجديد الثقة في المؤسسات.
    أما تحويل كل أزمة إلى مجرد مؤامرة خارجية، أو في المقابل تحميل جهة واحدة كل المسؤولية دون دليل، فهو تبسيط لا يساعد على الحل.
    إن المرحلة تقتضي مصارحة وطنية، لا مجاملات سياسية. وتقتضي تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، وربط الوعود بالنتائج، حتى يشعر المواطن بأن صوته في الانتخابات يغيّر واقعه، لا أنه مجرد رقم يُستدعى كل بضع سنوات.
    إن الوطن لا يخسره فقط من يغادره في قارب، بل يخسره أيضاً عندما يفقد أبناؤه الثقة في أن مستقبلهم يمكن أن يُبنى فوق أرضه.
    ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن نخشى طرحه:
    هل نكتفي بإحباط محاولات الهجرة غير النظامية عند الشواطئ، أم نمتلك الشجاعة لإحباط أسبابها داخل مؤسساتنا وسياساتنا العمومية؟
    فالأوطان تُحمى بالحدود، لكنها تُبنى بالعدالة، وتُصان بالمحاسبة، ويقوى تماسكها عندما يشعر كل مواطن أن له مكاناً فيها، ومستقبلاً يستحق أن يعيش من أجله.