اعتقال مبدع يفتح جراح الثقة والفساد في المغرب

مبدع بين السلطة والمحاسبة

بقلم المعطي ولدالمسكين.

هل دخل المغرب مرحلة ربط المسؤولية بالمحاسبة فعلاً؟

شكّل اعتقال محمد مبديع حدثاً سياسياً وقانونياً أثار نقاشاً واسعاً داخل الشارع المغربي، بين من اعتبره دليلاً على تحرك الدولة نحو محاربة الفساد، وبين من رأى فيه مجرد حلقة ضمن صراع المصالح وتصفية الحسابات داخل دهاليز السياسة والإدارة.

فالوزير السابق، الذي راكم سنوات طويلة داخل دواليب السلطة، لم يكن مجرد اسم عابر في المشهد السياسي، بل كان من الوجوه التي صنعت حضورها داخل الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية. لذلك، فإن سقوط اسم بهذا الحجم تحت طائلة التحقيق والاعتقال، يحمل رسائل متعددة تتجاوز شخص الوزير نفسه، لتصل إلى صورة الدولة ومفهوم العدالة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

في المغرب، ظل ملف الفساد لسنوات طويلة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، بسبب تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية. وكان المواطن البسيط دائماً يتساءل: لماذا يُحاسَب الصغير بسرعة بينما يظل الكبار بعيدين عن أي مساءلة؟ ولهذا جاء ملف مبدع ليعيد الأمل لدى فئة واسعة من المغاربة بأن لا أحد فوق القانون، مهما كان منصبه أو نفوذه.

لكن في المقابل، هناك من يطرح أسئلة مشروعة:
هل نحن أمام إرادة حقيقية لاجتثاث الفساد؟ أم أمام انتقائية ظرفية مرتبطة بتحولات سياسية معينة؟
ولماذا لا تُفتح كل الملفات الثقيلة بنفس الجرأة والسرعة؟
وهل ستصل المحاسبة إلى استرجاع الأموال وحماية المال العام، أم ستبقى مجرد عناوين إعلامية تنتهي بمرور الوقت؟

إن المواطن المغربي اليوم لم يعد يكتفي بسماع أخبار الاعتقالات والمتابعات القضائية، بل يريد أن يرى نتائج ملموسة على أرض الواقع: مدارس أفضل، مستشفيات تحفظ الكرامة، فرص شغل حقيقية، وعدالة اجتماعية تقلّص الفوارق الصارخة بين طبقة تزداد ثراءً وشعب يئن تحت ضغط الغلاء والضرائب.

قضية مبدع تعكس أيضاً أزمة الثقة بين المواطن والطبقة السياسية. فكلما سقط مسؤول في ملفات فساد، ازداد شعور الناس بأن جزءاً من الخطاب السياسي كان مبنياً على الوعود والشعارات أكثر من خدمة الصالح العام. وهذا ما يفسر اتساع رقعة العزوف السياسي وفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة.

ورغم ذلك، فإن أي دولة لا يمكن أن تتقدم دون قضاء قوي ومستقل، يطبق القانون على الجميع دون استثناء أو انتقائية. فمحاربة الفساد ليست حملة موسمية، بل مشروع دولة يحتاج إلى شفافية، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام من كل أشكال الاستغلال السياسي أو الانتخابي.

ويبقى السؤال الكبير الذي يطرحه المغاربة اليوم:
هل سيكون ملف محمد مبديع بداية مرحلة جديدة عنوانها المحاسبة الفعلية؟
أم مجرد قضية ستضاف إلى أرشيف طويل من الملفات التي أثارت الضجيج ثم اختفت مع الزمن؟

في النهاية، لا يمكن لأي وطن أن يبني مستقبله فوق هشاشة الثقة أو صمت الفقراء أو استنزاف المال العام. فالدول القوية ليست فقط تلك التي تعتقل المسؤولين، بل التي تمنع الفساد قبل أن يتحول إلى ثقافة وسلطة ونفوذ.

المعطي ولدالمسكين.

Comments (0)
Add Comment