مجرد رأي
بقلم: الدكتور مصطفى مستقيم
في السياسة كما في الحياة لا تصنع الأحداث الكبرى دائما من الخطب الرنانة ولا من الشعارات الثقيلة أحيانا يكفي تفصيل صغير حتى يسرق الأضواء ويقلب ترتيب الأولويات وهذا تماما ما وقع خلال مؤتمر حزب التقدم والاشتراكية بمدينة الجديدة حيث بدا أن سندويش الطون والحرور كان أكثر حضورا وتأثيرا من كثير من الكلمات والمداخلات السياسية
المفترض في المؤتمرات الحزبية أن تكون فضاء للنقاش حول الرؤى والبرامج والتصورات المستقبلية وأن ينشغل المشاركون بمآلات العمل السياسي وأسئلة المرحلة لكن ما حدث جعل الحديث ينزلق في اتجاه آخر بعدما تحولت وجبة الغذاء إلى مادة للنقاش والتعليق بل وإلى عنوان جانبي طغى على جزء من أجواء المؤتمر
قد يرى البعض أن الأمر بسيط ولا يستحق كل هذا الجدل غير أن السياسة لا تنفصل عن الرمزية والتفاصيل الصغيرة كثيرا ما تكشف طريقة التدبير ومستوى الاهتمام بالمشاركين فالضيف الذي يقطع مئات الكيلومترات للمشاركة في مؤتمر وطني ينتظر حدا أدنى من العناية لا يتعلق فقط بالكلمات والتنظيم بل أيضا بظروف الاستقبال وما يرافقها من تفاصيل قد تبدو ثانوية لكنها تترك الانطباع الأقوى
الأمر لم يقف عند المؤتمرين فقط بل امتد إلى الصحافيين الذين وجدوا أنفسهم أمام الوجبة ذاتها وهم الذين يفترض أنهم شركاء في نقل صورة الحدث للرأي العام وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى الانتباه للجوانب اللوجستيكية التي قد تبدو هامشية لكنها في النهاية تؤثر على الصورة العامة لأي تظاهرة سياسية
ما حدث في الجديدة يعيد طرح سؤال قديم داخل الأحزاب السياسية هل ما تزال هذه التنظيمات تدرك أن السياسة ليست فقط بيانات وخطابات بل أيضا صورة ورسائل غير مباشرة وأن أي تفصيل مهما بدا صغيرا قد يتحول إلى عنوان يختزل حدثا كاملا
قد ينسى كثيرون بعض المداخلات والتوصيات التي خرج بها المؤتمر لكن المؤكد أن سندويش الطون والحرور نجح في تحقيق ما لم تحققه بعض النقاشات إذ تحول إلى بطل غير معلن لمؤتمر سياسي كان يفترض أن تتصدره الأفكار لا الوجبات