النهضة الدولية بقلم محمد اعويفية
ليس من الصعب الإعجاب بمشهد مدينة تضيء ليلها بمصابيح حديثة LED، ولا أحد يجادل في أهمية تحديث الإنارة العمومية لما لها من أثر مباشر على الأمن وجودة الحياة عموما . لكن المثير للانتباه، بل والمقلق حقا، هو الطريقة التي يروج بها هذا “الإنجاز”: وكأن مدينة بأكملها لم تنر إلا بقرار فردي من السيد الرئيس، وكأن الضوء نفسه أصبح “إنجازا شخصيا” ينسب إلى اسم واحد دون غيره ممن يشكلون المجلس على الأقل.
تقديم مشروع الإنارة في آسفي باعتباره إنجازا خالصا للسيد الرئيس يطرح أكثر من علامة استفهام. فهل تتحرك عجلة التدبير المحلي بقرارات فردية؟ أم أن الأمر يتعلق بمنظومة كاملة من الفاعلين : مستشارون ، تقنيون، أطر الجماعة، صفقات عمومية، ميزانيات مرصودة، وتوجيهات تضمن سياسات عمومية أوسع؟
الحقيقة التي يتم تجاهلها في خضم هذا التمجيد الكبير هي أن الإنارة العمومية ليست “هبة” من شخص منتخب، بل خدمة أساسية ممولة من المال العام، من جيوب المواطنين أنفسهم. وعليه، فهي حق وواجب ، تقديمها كـ”إنجاز شخصي” فيه نوع من التضليل الرمزي، وتحويل الفعل المؤسساتي إلى بطولة فردية خصوصا ونحن مقبلون على الإنتخابات .
ثم إن الحديث عن “مدينة أكثر أمان وحداثة” بفضل مصابيح LED فقط، يبسط الواقع بشكل غريب إن لم يكن أمر مخل به . فالأمن الحضري لا يتحقق بالإنارة وحدها، بل بمنظومة متكاملة تشمل الشغل أولا ثم المؤسسة الأمنية، النقل، التخطيط العمراني، والعدالة المجالية. أما الحداثة، فلا تقاس بقوة المصابيح المعلقة ، بل بمدى إشراك المواطن في القرار، وشفافية التدبير، وعدالة توزيع المشاريع بين الأحياء دون تفضيل لهذا الحي عن ذاك .
الأخطر من ذلك في هذه المدينة دون غيرها ، هو هذا الميل المتزايد نحو أشخاص بعينها حيث يتم تضخيم كل مشروع ينجز، مهما كان عاديا، ليقدم كإنجاز استثنائي. وهو ما يعيدنا إلى نفس الأسلوب القديم ، شخصنة العمل الجماعي، وتسويق السياسة بدل النقاش الحقيقي حول السياسات العمومية المتبعة ومدى احترامها للبرامج الانتخابية.
لا أحد ينكر جدوى المشروع، وأهميته، لكن الإنصاف يقتضي وضعه في سياقه الطبيعي: مشروع جماعي، تم بتمويل عمومي، ويدخل ضمن اختصاصات المجلس الجماعي، وليس فتحا تاريخيا ينسب لفرد بعينه.
فالمدن عموما لا تضاء بالأسماء… بل تضاء بالعمل المؤسساتي الحقيقي، وباحترام ذكاء المواطنين الذين لم يعودوا يكتفون برؤية الضوء، ونوع المصابيح ،بل يسألون ويلحون في السؤال : لماذا أنجز المشروع الآن ؟وبأي ثمن ؟ وما مدى احترامه لدفتر التحملات و و و.





إرسال تعليق