حين تسقط أقنعة السياسة

  • بتاريخ : مايو 3, 2026 - 12:44 م
  • الزيارات : 5
  • مصطفى مستقيم معارف

    في زمن تتكاثر فيه الوعود البراقة وتتشابه الخطابات السياسية حتى تكاد تفقد معناها يبرز سؤال جوهري حول صدقية العمل العام وحول الفرق بين من يبيع الحلم ومن يحاول بناء الواقع فليس من الصعب رسم مستقبل وردي بالكلمات ولا فتح ابواب وهمية للامل لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في مواجهة الحقيقة والعمل بصمت لتغييرها
    لقد اعتاد المواطن على سماع نفس العبارات في كل محطة انتخابية تغيير اصلاح تنمية لكن ما يعيشه على الارض يظل بعيدا عن تلك الشعارات وهو ما خلق فجوة عميقة بين السياسي والشارع فجوة غذتها سنوات من الخيبات وجعلت الثقة عملة نادرة في المجال العام
    في مقابل ذلك يطرح اليوم توجه مختلف يقوم على رفض التضليل والابتعاد عن منطق تسويق الاوهام توجه يعتبر ان العمل السياسي ليس استعراضا اعلاميا ولا سباقا نحو المناصب بل مسؤولية اخلاقية قبل ان تكون موقعا اداريا مسؤولية تفرض على من يتحملها ان يكون سجله واضحا وماضيه نظيفا وان يتعامل مع المواطن كشريك لا كوسيلة
    هذا التصور يعيد تعريف السلطة نفسها فالمنصب ليس امتيازا شخصيا ولا كرسيا للنفوذ بل امانة توضع لخدمة الناس والاقتراب من همومهم اليومية فالمدينة ليست رقما انتخابيا بل كائن حي يتنفس بمعاناة سكانه وتطلعاتهم ومن لا يشعر بهذا النبض لا يمكنه ان يقدم شيئا حقيقيا
    كما ان القطع مع تقديس الاشخاص يمثل خطوة اساسية في بناء ممارسة سياسية سليمة حيث يصبح معيار التقييم هو ما يقدم من عمل وما يتحقق من نتائج لا ما يرفع من شعارات ولا ما يصنع من صور فالسياسة التي تنفصل عن الواقع تتحول بسرعة الى كذبة كبيرة مهما بدت براقة في ظاهرها
    ان التحدي اليوم لا يكمن في انتاج خطاب جديد بل في تجسيده على الارض في جعل محاربة الفساد سلوكا يوميا لا شعارا مناسباتيا وفي بناء علاقة ثقة تقوم على الوضوح والمحاسبة فالمواطن لم يعد يبحث عن معجزات بل عن حد ادنى من الصدق والجدية.

    و يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة معنى السياسة كخدمة عامة لا كوسيلة للتموقع لان الكرسي الذي لا يخدم الناس يفقد قيمته والسياسة التي لا تنصت لصوت الشارع تفقد مشروعيتها وتتحول الى مجرد كلمات عابرة في زمن لم يعد يقبل المزيد من الاوهام