بقلم: رضوان السكات
لم يعد الحديث عن “إصلاح التعليم” سوى لازمة مكررة، تستهلك في الخطب أكثر مما تطبق الحقيقة الصادمة أن المدرسة لم تعد فقط في أزمة، بل دخلت مرحلة الإنهاك المزمن، حيث يدار النزيف بصمت، وكأن الجميع تعود عليه.
داخل الفصول، لا نحتاج إلى تقارير رسمية لفهم ما يحدث. يكفي أن تنظر إلى تلميذ بدأ متفوقا، لينتهي عاديا، أو متعثرا. ليس لأنه فقد ذكاءه، بل لأن المنظومة فقدت القدرة على ملاحظته. في المقابل، تذبل المواهب في صمت: رسام يتوقف، ممثل صغير يختفي، وطاقات كان يمكن أن تصنع الفارق، تترك لتتآكل.
الأخطر أن المدرسة لا تقتل فقط التميز، بل تفرغ الطفولة من معناها. في التعليم الابتدائي، يغيب اللعب، تغيب الرياضة، يغيب التوازن. نحبس الطفل في قسم ضيق، ثم نستغرب تشتته. نطالبه بالتركيز، ونمنعه من أبسط حقوقه: أن يتحرك، أن يلعب، أن يكون طفلا.
لكن تحميل المدرسة وحدها المسؤولية نوع من الهروب الجماعي. داخل البيوت، هناك خلل آخر يتضخم: أطفال يربون على الشاشات. هاتف ذكي يتحول إلى “مرب بديل” ، ومحتوى غير مراقب يعيد تشكيل وعي الطفل دون إذن الأسرة. النتيجة تصل جاهزة إلى القسم: تشتت، ضعف تركيز، وسلوكيات غريبة.
وسط هذا المشهد، يقف الأستاذ في الواجهة… لكنه ليس في موقع قوة، بل في موقع ضغط دائم. مطالب بإنهاء مقررات مثقلة، في آجال زمنية صارمة، وإجراء امتحانات وفق رزنامة لا تراعي الفوارق، وملء تقارير إدارية لا تنتهي. الزمن التربوي تحول إلى سباق، لا إلى تعلم.
أي منطق هذا الذي يجعل إنهاء المقرر أهم من فهم التلميذ؟ وأي إصلاح هذا الذي يقيس النجاح بعدد الدروس المنجزة، لا بجودة التعلم؟ الحقيقة التي لا تقال: المنظومة تدفع الأستاذ إلى العمل بالشكل، لا بالجوهر.
والحل؟ ليس في مزيد من الوثائق، ولا في تضخيم التقارير، بل في إعادة الاعتبار للعقل التربوي داخل المدرسة. الأستاذ الذي يعيش التفاصيل يوميا، هو الأقدر على تشخيص الخلل. لكن صوته غالبا ما يضيع بين التعليمات الجاهزة والقرارات المركزية.
نحتاج إلى نقاش حقيقي داخل المؤسسات، لا اجتماعات شكلية. نحتاج إلى شجاعة في طرح الأسئلة: لماذا لا نفهم؟ لماذا لا نواكب؟ لماذا نكرر نفس الأخطاء وننتظر نتائج مختلفة؟
أما ما يسمى “بمدارس الريادة”، فهي فكرة واعدة، لكنها تظل ناقصة ما دامت محصورة. الإصلاح لا يكون بنماذج معزولة، بل بتعميم عادل، وتطوير مستمر، يضمن نفس الفرص لكل طفل، لا لبعضهم فقط.
في العمق، الأزمة ليست تقنية، بل أزمة رؤية. مدرسة بلا مشروع واضح، تتحول إلى آلة لتلقين الدروس، لا إلى فضاء لبناء الإنسان. إدارة تكتفي بالتسيير، لا تقود. أسرة تراقب النتائج، لا تواكب المسار. ووزارة تخطط… دون أن تنصت بما يكفي.
ثم نأتي لنتباهى بنسب النجاح. لكن أي نجاح هذا ؟ حين يصبح التفوق استثناء، لا قاعدة، فنحن لا ننجح… نحن فقط نجمل الفشل .
لنكن صريحين : التعليم اليوم لا يحتاج إلى مسكنات، بل إلى مواجهة. مواجهة تعيد ترتيب الأولويات: التلميذ أولا، الفهم قبل المقرر، الجودة قبل الأرقام.
غير ذلك، سنستمر في نفس الدائرة : إصلاح يعلن، خلل يستمر، وجيل يدفع الثمن.
والسؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل :
إذا كنا نعرف أين الخلل… فمن يملك الجرأة لإيقافه ؟
رضوان السكات : مراسل صحفي بجريدة النهضة الدولية.





إرسال تعليق