مصطفى مستقيم معارف
لم تعد المدرسة العمومية في المغرب تواجه فقط ازمة الاكتظاظ وضعف البنيات التحتية او محدودية الموارد بل اصبحت مستهدفة في عمق رسالتها التربوية بعدما تحول الغش في امتحانات الباكالوريا الى ظاهرة مقلقة تتكرر كل سنة وتكشف عن تصدع خطير في منظومة القيم داخل المجتمع
ما وقع امس واليوم خلال امتحانات الباكالوريا من محاولات للغش واستعمال وسائل تكنولوجية متطورة وتسريب للاجوبة واصرار بعض التلاميذ على البحث عن النجاح السهل يطرح اسئلة حقيقية حول نوعية الجيل الذي نصنعه وحول المدرسة التي نريدها هل نريد مدرسة تنتج المعرفة ام مجرد مصنع للشهادات الفارغة
الخطير في الامر ان الغش لم يعد عند البعض سلوكا معزولا او حالة استثنائية بل اصبح عند فئة من الشباب امرا عاديا بل ويتم احيانا تبريره تحت ضغط الواقع الاجتماعي او بسبب صعوبة الامتحانات او بدعوى ان الجميع يفعل ذلك وهنا تكمن الكارثة الحقيقية حين يصبح الخطأ سلوكا جماعيا يفقد الناس الاحساس بخطورته
المدرسة العمومية تبدو اليوم وكأنها محاصرة من كل الجهات فمن جهة هناك تراجع دور الاسرة في التربية وغزو الهواتف ومواقع التواصل التي صنعت نجوما من التفاهة ومن جهة اخرى هناك ثقافة اجتماعية اصبحت تمجد الربح السريع والنجاح السهل حتى ولو كان على حساب الجهد والاستحقاق
ولعل ما يجعلنا نفهم جزءا من هذا الواقع هو ما تحدث عنه المفكر الكندي آلان دونو في كتابه نظام التفاهة حين اعتبر ان المجتمعات الحديثة بدأت تكافئ الاشخاص الذين يسايرون القطيع ولا يطرحون الاسئلة الصعبة بينما يتم تهميش التفكير النقدي والكفاءة الحقيقية فالمهم ليس ان تكون مبدعا او صاحب موقف بل ان تتكيف مع منطق السائد وان تظل داخل الحدود المرسومة لك
حين نربط هذا الطرح بواقعنا التعليمي سنجد اننا امام خطر حقيقي يتمثل في خلق جيل لا يؤمن بالاجتهاد ولا بالصبر جيل يريد النتيجة دون تعب والشهادة دون معرفة والنجاح دون استحقاق وهو ما يهدد المدرسة العمومية في صميمها باعتبارها فضاء لبناء المواطن لا مجرد محطة لعبور الامتحانات
ان اخطر ما يمكن ان نصل اليه هو ان يصبح الغش ذكاء وان يصبح المجتهد موضوع سخرية وان تتحول القيم الى عبء وسط مجتمع يصفق للتفاهة ويكافئ الاستعراض ويهمش الكفاءة
الدفاع عن المدرسة العمومية اليوم لم يعد مسؤولية وزارة التربية فقط بل اصبح معركة مجتمع كامل اسرة واعلاما ومؤسسات ومثقفين لان المدرسة حين تسقط لا يسقط فقط التعليم بل يسقط معها مستقبل وطن بكامله





إرسال تعليق