لامين جمال… حين يتحوّل علم فلسطين إلى تهمة في ملاعب كرة القدم
بقلم: مريم مستور
في لحظة كان يُفترض أن تبقى رياضية خالصة، تحوّل مشهد رفع نجم Lamine Yamal لعلم فلسطين خلال احتفالات FC Barcelona بالتتويج بالدوري الإسباني إلى قضية سياسية وإعلامية أثارت جدلًا واسعًا داخل إسبانيا وخارجها. وبينما رأى كثيرون في تصرف اللاعب الشاب تعبيرًا إنسانيًا عفويًا عن التضامن مع شعب يعيش تحت الحرب والحصار، اعتبرته أصوات إسرائيلية ومنابر مقربة من اليمين الصهيوني “استفزازًا سياسيًا” و”موقفًا معاديًا لإسرائيل”.
القضية لم تتوقف عند حدود الاختلاف في الرأي، بل سرعان ما انزلقت إلى حملات تحريض وتشويه استهدفت اللاعب نفسه، حيث تحولت موهبته الكروية الاستثنائية إلى تفصيل ثانوي أمام الهجوم الذي طال هويته وأصوله المغربية وخلفيته الثقافية والدينية. اللاعب الذي كان قبل أيام فقط يُقدَّم كواحد من أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم العالمية، وجد نفسه فجأة في قلب معركة سياسية وإيديولوجية لا علاقة لها بالمستطيل الأخضر.
ويكشف هذا الجدل حجم الحساسية التي أصبحت ترافق أي تعبير عن التضامن مع فلسطين في الفضاء الغربي، خصوصًا في ظل الحرب الدائرة في غزة وما رافقها من صور دمار وقتل وتجويع هزّت الرأي العام العالمي. فبالنسبة لتيارات سياسية وإعلامية متشددة داخل إسرائيل وخارجها، لم يعد رفع العلم الفلسطيني يُقرأ باعتباره موقفًا إنسانيًا أو تضامنًا مع المدنيين، بل يُقدَّم باعتباره انحيازًا “ضد إسرائيل”، حتى وإن صدر عن رياضي شاب خلال لحظة احتفال عفوية.
وفي المقابل، دافع جزء واسع من الرأي العام الإسباني عن اللاعب، معتبرًا أن التعبير عن التضامن مع فلسطين يدخل ضمن حرية الرأي والتعبير، خاصة في بلد أصبحت فيه القضية الفلسطينية حاضرة بقوة داخل النقاش السياسي والإعلامي. كما أن مواقف الحكومة الإسبانية، وعلى رأسها رئيس الوزراء Pedro Sánchez، الداعمة لوقف الحرب والمنتقدة للانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين، ساهمت في خلق مناخ أكثر تقبلًا لهذا النوع من المواقف الرمزية.
وفي خضم هذا الجدل، عاد النقاش القديم حول العلاقة بين الرياضة والسياسة. فهناك من يرى أن الملاعب يجب أن تبقى بعيدة عن كل أشكال الصراع السياسي، وأن كرة القدم وُجدت لتوحيد الشعوب لا لتقسيمها. غير أن الواقع يؤكد، مرة أخرى، أن الرياضة لم تكن يومًا معزولة تمامًا عن القضايا الكبرى. فمنذ عقود، استُخدمت الملاعب والبطولات والرموز الرياضية للتعبير عن مواقف إنسانية وسياسية مرتبطة بالحروب والعنصرية وحقوق الإنسان.
كما أن كثيرين يعتبرون أن الصمت أمام المآسي الإنسانية لم يعد ممكنًا، خاصة في زمن تنتشر فيه الصور والأخبار بشكل لحظي عبر العالم. فمشاهد القصف والدمار وسقوط الضحايا المدنيين في غزة خلقت موجة تضامن عالمية واسعة، امتدت إلى الجامعات والشوارع والمؤسسات الثقافية وحتى الملاعب الرياضية. وفي هذا السياق، بدا رفع العلم الفلسطيني بالنسبة لعدد كبير من المتابعين رسالة رمزية تختزل إحساسًا عالميًا متزايدًا بوجود ظلم تاريخي مستمر بحق الشعب الفلسطيني.
ولعل ما زاد من حدة التفاعل، هو المقارنة التي أثيرت على مواقع التواصل الاجتماعي بين الهجوم على لامين جمال اليوم، وبين الترحيب السابق بلاعبين عالميين أقاموا علاقات علنية مع إسرائيل أو شاركوا في حملات دعائية وتجارية معها، دون أن يواجهوا المستوى نفسه من الانتقادات أو التخوين. وهو ما دفع كثيرين إلى الحديث عن “ازدواجية المعايير” في التعامل مع حرية التعبير حين يتعلق الأمر بفلسطين.
في النهاية، تبدو قضية لامين جمال أكبر من مجرد صورة لاعب يحمل علمًا خلال احتفال رياضي. إنها تعكس الانقسام العالمي المتزايد حول القضية الفلسطينية، كما تكشف حجم التوتر الذي بات يحيط بأي موقف رمزي مرتبط بها. وبين من يعتبر الأمر تضامنًا إنسانيًا مشروعًا، ومن يراه موقفًا سياسيًا مستفزًا، يبقى المؤكد أن فلسطين ما تزال حاضرة بقوة في الضمير العالمي، وأن رمزية علمها قادرة، في كل مرة، على إعادة فتح النقاش حول العدالة والحرية وحقوق الإنسان، حتى من داخل ملاعب كرة القدم.