محاربة المضاربة … أم سياسة لتركيع الفقراء؟

حين تتحول محاربة المضاربة إلى سياسة لتركيع الفقراء .

بقلم:المعطي ولدالمسكين.

في كل موسم ديني أو اجتماعي، تعود الحكومة إلى نفس الأسطوانة: حماية القدرة الشرائية ، ضبط الأسعار، “محاربة المضاربة”، و”التصدي لجشع الوسطاء”. شعارات تبدو في ظاهرها مطمئنة، لكنها على أرض الواقع تثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً حين يصبح المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف التي تؤدي ثمن كل القرارات، بينما يظل كبار المحتكرين بعيدين عن أي مساءلة حقيقية.

اليوم، ومع اقتراب موسم الأضاحي وما يرافقه من مصاريف ثقيلة على الأسر المغربية، خرجت إجراءات جديدة تحت عنوان تنظيم السوق وضبط الأسعار. غير أن السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع المغربي هو: هل الهدف فعلاً حماية المستهلك، أم فرض واقع اقتصادي جديد يُجبر الفقير على القبول بالأمر الواقع دون نقاش أو احتجاج؟

المواطن لم يعد يشتكي فقط من ثمن الأضحية، بل من سلسلة كاملة من الزيادات التي تحاصر حياته اليومية: الفحم، الخضر، البصل، الفواكه، النقل، وحتى أبسط المواد الأساسية. وكأن العيد تحول من مناسبة دينية واجتماعية إلى اختبار قاسٍ للقدرة على الصمود أمام موجة غلاء غير مسبوقة.

الأخطر في الأمر أن الحكومة تتحدث عن ضبط الأسعار دون فتح نقاش شعبي حقيقي حول أسباب هذا الغلاء، ودون مساءلة واضحة للوبيات الاحتكار والمضاربة الكبرى التي تتحكم في الأسواق. فكيف يُطلب من المواطن الامتثال لأسعار مرتفعة أصلاً، بينما لا يتم الكشف للرأي العام عن هوامش الربح الحقيقية، ولا عن الجهات المستفيدة من هذا الوضع؟

إن محاربة المضاربة لا تكون بالشعارات ولا بالحملات الموسمية المؤقتة، بل ببناء منظومة اقتصادية عادلة تحمي المنتج والمستهلك معاً. أما أن يتحول التدخل الحكومي إلى مجرد آلية لفرض أثمنة مرتفعة بشكل “قانوني”، فذلك يفتح الباب أمام شعور شعبي بأن الدولة لم تعد تدافع عن الفئات الهشة، بل تسعى إلى تدجينها اقتصادياً واجتماعياً.

المغاربة لا يرفضون التنظيم، ولا يعارضون مراقبة الأسواق، لكنهم يرفضون أن يُطلب منهم الصمت أمام غلاء يلتهم أجورهم الضعيفة، ويحول المناسبات الدينية إلى كوابيس مالية. فالكرامة الاجتماعية لا تعني فقط توفير الأمن والاستقرار، بل تعني أيضاً ضمان حق المواطن في العيش بكرامة، دون إذلال اقتصادي أو ضغط نفسي متواصل.

لقد أصبح واضحاً أن الفقراء هم أول من يؤدي فاتورة الاختلالات الاقتصادية، بينما تستمر لغة الأرقام الرسمية في الحديث عن الاستقرار والإصلاحات الكبرى . غير أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من جيب المواطن، ومن قدرته على تأمين قوته اليومي دون استدانة أو خوف من المستقبل.

إن سياسة فرض الأمر الواقع، مهما تم تغليفها بشعارات حماية السوق، لن تُخفي حقيقة الاحتقان الاجتماعي المتزايد. فحين يشعر المواطن أن صوته غير مسموع، وأن القرارات تُفرض عليه من فوق دون حوار أو إشراك، تتسع الهوة بين السلطة والشارع، ويتحول الإحساس بالغبن إلى حالة جماعية صامتة، لكنها قابلة للانفجار في أي لحظة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يردده البسطاء في الأسواق والأحياء الشعبية:
إذا كانت الحكومة فعلاً تحارب المضاربة، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟ ولماذا يبقى الفقير وحده مطالباً دائماً بالصبر والتضحية والامتثال؟

المعطي ولدالمسكين.

Comments (0)
Add Comment