حين يتحول كاس العالم من وسيلة للفرجة الى وسيلة لتلميع الصورة

مجرد رأي

 

حين يتحول كاس العالم من وسيلة للفرجة الى وسيلة لتلميع الصورة

 

يلاحظ المتتبع لبعض التظاهرات الكروية الكبرى ان هناك تفاوتا واضحا في طريقة تعامل الدول المنظمة مع هذا الحدث العالمي سواء من حيث الاستقبال او البنيات او الخدمات المقدمة للمنتخبات والجماهير ففي الوقت الذي تسعى بعض الدول النامية الى تقديم صورة مثالية عن نفسها عبر بناء ملاعب ضخمة وفنادق فاخرة وتوفير وسائل نقل حديثة ومعاملة استثنائية للوفود نجد ان بعض الدول الصناعية الكبرى تتعامل مع كرة القدم بمنطق مختلف يجعلها مجرد حدث رياضي لا اكثر

هذا التفاوت يطرح اسئلة عميقة حول فلسفة الدول واولوياتها فالدول المتقدمة لا تجعل من كرة القدم قضية وجود او وسيلة لتلميع الصورة بقدر ما تركز على الاقتصاد الحقيقي والبحث العلمي والصناعات المتطورة والتكنولوجيا والصناعات العسكرية باعتبارها اساس القوة والنفوذ العالمي فمكانة الدول لا تقاس بعدد الملاعب الفاخرة فقط بل بقدرتها على الابتكار وانتاج المعرفة وخلق الثروة وتحقيق السيادة الاقتصادية

في المقابل تبدو بعض الدول الفقيرة او النامية وكأنها تدخل سباقا محموما لاثبات الذات عبر تنظيم بطولات عالمية او بناء منشآت رياضية ضخمة بمبالغ مالية هائلة رغم وجود تحديات اجتماعية ملحة تتعلق بالصحة والتعليم والتشغيل والسكن والنقل ويصبح السؤال المطروح هنا هل من المنطقي ان تنفق الملايير على الملاعب في وقت تعاني فيه فئات واسعة من المواطنين من الفقر والهشاشة وضعف الخدمات الاساسية

لا احد يعارض تطوير الرياضة او بناء البنيات التحتية الرياضية لكن الاشكال يبدأ حين تتحول كرة القدم الى اولوية تتقدم على حاجيات المواطن الاساسية او تصبح وسيلة لصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية للشعوب فالدول التي حققت النهضة لم تفعل ذلك عبر كرة القدم وحدها بل عبر الاستثمار في الانسان والعلم والاقتصاد المنتج

ان النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بتنظيم بطولة مبهرة او ملاعب جميلة بل بقدرة الدولة على تحقيق الكرامة لمواطنيها وتوفير تعليم جيد ومستشفيات لائقة وفرص شغل تحفظ للناس كرامتهم فالشعوب تحتاج الى الفرجة نعم لكنها تحتاج قبل ذلك الى تنمية حقيقية تجعل الرياضة مكسبا اضافيا لا بديلا عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية

Comments (0)
Add Comment